الاحدثالملف العربي الصيني

القمة العربية الصينية: عندما تكون فلسطين هي العنوان | بقلم د. عوض سليمية

دشنت القمم الثلاث، المُنعقدة في الرياض على مدار ثلاثة ايام، وما تضمنه البيان الختامي للقمة الصينية-العربية، ما يمكن اعتباره نقطة تحول تاريخية في مسار العلاقات العربية-الصينية، نحو تطبيقٍ كامل لمفهوم الشراكة الاستراتيجية الشاملة، في جميع القطاعات الاقتصادية والتنموية، بما فيها إقامة منطقة تجارة حرة مع الصين، لدفع المصالح العربية-الصينية المشتركة الى مستويات متقدمة، نحو مستقبل واعد تتجاوز فيه حدود الـــ 300 مليار دولار، وهو الرقم الذي يشير الى حجم التبادلات التجارية العربية-الصينية حتى اليوم، على قاعدة المنفعة المتبادلة لشعوب الامتين الشريكتين، ومعالجة العديد من التحديات.

وعلى الرغم من الانشغال في سباق النهضة والتقدم العربي التشاركي، وتوقيع الاتفاقيات والعقود التجارية مع ثاني اكبر اقتصاديات العالم. إلا ان القضايا السياسية المُلحة قفزت لتأخذ مكانها من الحوار في القمة الاخيرة، وكانت فلسطين عنوان المرحلة على أجندة القادة الحضور وفي البيان الختامي للقمة، واعتبارها قضية مركزية تتطلب ايجاد حل عادل ودائم على اساس حدود الرابع من حزيران عام 1967، وان ما تقوم به اسرائيل من إجراءات احتلالية رامية الى تهويد مدينة القدس، الى جانب، بناء وتوسيع المستوطنات الاسرائيلية على اراضي دولة فلسطين، هي سياسات باطلة وغير قانونية، وتتناقض كليًا مع القوانين والتشريعات الدولية ذات العلاقة.

ضمن هذا السياق من المواقف العربية الرسمية الداعمة لفلسطين، جاءت اولى منافع الشراكة الاستراتيجية سريعًا على لسان الرئيس الصيني شي جين بينج، الذي اعاد تأكيد موقف بلاده الداعي لانهاء الظلم التاريخي الذي وقع على الشعب الفلسطيني، يقول شي: “ندعم بثبات إقامة دولة فلسطينية كاملة السيادة على حدود الرابع من حزيران عام 1967 وعاصمتها القدس الشرقية”. وتعهد شي، “باستمرار دعم بلاده لنيل فلسطين العضوية الكاملة في الأمم المتحدة. وأضاف الرئيس الصيني أن “بلاده ستقوم بزيادة المساعدات الإنمائية المقدمة لدولة فلسطين، كما ستقوم بزيادة التبرعات المقدمة لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين “الأونروا”. هذه المواقف جاءت متطابقة تمامًا مع مطالب القيادة الفلسطينية، ومنسجمة مع مساعيها في حشد المزيد من الدعم الدولي للحصول على الاعتراف الكامل بدولة فلسطين المستقلة. وكانت محل ترحيب وشكر من قبل الرئيس محمود عباس في كلمته امام المؤتمرين، والذي وصف القمة “بالتاريخية والمهمة”.

يَنظر العالم الى مثل هذه القمم وما أفرزته من مواقف، بإعتبارها مؤشر كبير يمكن القياس عليه في شكل العلاقات الدولية بين القوى المتنافسة في منطقة الشرق الاوسط. وهي تأتي في مرحلة حرجة جدًا من تاريخ البشرية، في ظل تحولات جيوسياسية عالمية جارية، مضمونها ولادة نظام دولي متعدد الاقطاب، يتشكل الان امام اعين الجميع، وتُشيِد دعائِمه الاغلبية العالمية التي تدافع عن مصالحها الحيوية، بإستراتيجية واضحة قائمة على ضرورة “احترام حق الشعوب في اختيار الطرق والنظم الاجتماعية والسياسية التي تتناسب مع ظروفها الوطنية بإرادتها”. كما ويُنظر اليها أيضًا، بإعتبارها مناسبةً كبرى لتحفيز الدول الاخرى عبر قارات العالم، نحو بناء تكتلات وشراكات إستراتيجية مماثلة مع نظيراتها من دول الاغلبية، والتي تشاركها نفس القيم ومفاهيم الحرية، الديموقراطية، العدالة والسلام، بعيدًا عن إملاءات الغرب، الذي -على ما يبدو، سيجد نفسه ذات يوم خارج نطاقة التاريخ والجغرافيا، إذا ما احسنت الاغلبية العالمية إدارة الظروف المواتية على قاعدة الشراكة والمنفعة المتبادلة، بعيدًا عن الجشع والاستئثار الفردي للموارد والثروات، التي يتصف بها الغرب.

ليس جديدًا على قادة دول مجلس التعاون الخليجي، والمملكة العربية السعودية وقيادتها الحكيمة، ترسيخ قضية فلسطين كعنوان للشراكة الاستراتيجية الشاملة مع دولة طليعية إقتصاديًا وسياسيًا بحجم الصين، والتي تعتبر النظير المنافس للولايات المتحدة. وهي التي سخرت وما زالت، كل امكاناتها ومواردها المادية ونفوذها السياسي على المسرح الدولي وفي علاقاتها البينية، لصالح قضية فلسطين ومطالبها العادلة منذ النكبة عام 1948. لكن المُبشر الذي بدأ يشع في الافق، يكمن في ان الامة العربية بدأت تستعيد ثقتها ومكانتها الطبيعية في مرحلة فاصلة من التاريخ، وتُفعل محركات النهوض على المسار الصحيح، كشريك اساسي وقائد متقدم مع دول العالم الوازنة ودول الاغلبية العالمية التواقة الى تعديل ميزان العدالة الملتوي، وإنهاء حالة عدم اليقين الراديكالي الذي تقوده واشنطن منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية عام 1945، نحو عالم أكثر أمنًا، عدلًا وإستقرارًا للاجيال العربية القادمة. فحقًا علينا أن نقول، شكرًا للعربية السعودية قيادةً وشعبًا على مواقفهم النبيلة، شكرًا لمجلس التعاون الخليجي، شكرًا لجمهورية الصين الشعبية، على هذه المنزلة الخاصة لفلسطين.


للاطلاع على الملف كاملًا : اضغط هنا

د. عوض سـليميـة

حاصل على الدكتوراة في العلاقات الدولية في تاثير اللوبي الإسرائيلي على السياسة الخارجية تجاه القضية الفلسطينية من جامعة university utara Malaysia. زميل ابحاث ما بعد الدكتوراة في السياسة الخارجية الأمريكية. مدير برنامج السياسة الخارجية الامريكية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى