الاحدثدولي

وثائق الرئيس بايدن السرية: قُبلة الحياة للجمهوريين | بقلم د. عوض سليمية

دشن اعضاء الكونغرس من الجمهوريين اعمال دورتهم الـ118 بالطلب السريع الذي وجهه رئيس لجنة مجلس النواب للرقابة والمساءلة، الجمهوري جيمس كومر الى وزيرة الخزانة جانيت يلين، للحصول على وثائق حول معاملات تجارية “مشبوهة” لعائلة الرئيس بايدن بمن فيهم (نجله هنتر وشقيقه جيمس وشركائهم)، التي تم تحديدها من قبل البنوك الأميركية. وكتب كومر إلى يلين “تقوم لجنة الرقابة والمساءلة بالتحقيق في تورط الرئيس بايدن في الممارسات التجارية الخارجية لعائلته وخطط استغلال النفوذ الدولي”. وانتقل كومر الى نقطة حساسة اخرى، بتوجيه رسائل لثلاثة من كبار المسؤولين في شركة تويتر للادلاء بشهادة علنية حول مزاعم تورط الشركة – باوامر حكومية، في قمع رواية صحيفة الواشنطن بوست ونيويورك بوست2020، حول الرسائل المسربة من حاسوب هنتر بايدن.

يُظهر النشاط السريع للجنة كومر، مدى ارتفاع درجات الحرارة في اوساط المشرعين الجمهوريين لمجاسبة الادارة الديموقراطية، وان هذه الجولة ستكون نقطة الانطلاق الاولى، في مسار طويل يتضمن الوفاء بالوعودات التي قطعها الجمهوريون على انفسهم في حملة انتخابات التجديد النصفي 2022، بالتعمق الاستقصائي في النشاط المصرفي، تضارب المصالح ومدى استغلال النفوذ السياسي للرئيس بايدن وعائلته عبر العالم للتأثير في تحقيق مصالحهم الشخصية. الامر الذي اضطر البيت الابيض الى اتهام الجمهوريين من حزب MAGA التابع لترامب، بالقفز من ابواب القضايا السياسية الهادفة للاثارة، بدلاً من السير في اجراءات معالجة القضايا الداخلية الطارئة بما فيها قضايا الاقتصاد وخفض التضخم…، والتي ينتظرها الشعب الأميركي من مشرعيهم الجدد.

كما وتشير البدايات لهذه الدورة من الكونغرس، ان المواجهة ستكون اكثر سخونة مما توقع الرئيس بايدن وفريقه، وان جرس الانذارات سوف يستمر بالرنين. في خبر سيء آخر للبيت الابيض، عثر الفريق القانوني في الجناح الغربي للكونغرس على مجموعة أخرى من السجلات الحكومية السرية في أعقاب الاكتشاف الأولي لوثائق سرية في مكتب كان يستخدمه الرئيس بايدن. تقول المنافذ الاخبارية المقربة من الفريق القانوني، انهم عثرو على الدفعة الثانية من الوثائق ذات العلامات السرية “سري للغاية” في مركز بايدن للدبلوماسية والمشاركة العالمية في واشنطن، وان هذه الوثائق تتضمن معلومات سرية وتقارير استخبارية واحاطات امنية حول اوكرانيا، ايران وبريطانيا. واكتفى الرئيس بايدن بالتعليق بأن “لا علم له بهذه الوثائق”، وان محاميه عملوا ما كان يجب عليهم ان يقوموا به.

هذه الفضيحة كانت بمثابة الغيث القادم من السماء، استغلها ترامب للهجوم على خصمه الرئيس بايدن، وكتب على شبكته الاجتماعية “تروث”: “متى سيقوم مكتب التحقيقات الفيدرالي بمداهمة العديد من منازل جو بايدن، وربما حتى البيت الأبيض؟ بالتأكيد، لم يتم رفع السرية عن هذه الوثائق”. بالنظر الى الاجراءات الملحمية التي نفذها مكتب التحقيق الفدرالي على الرئيس السابق ترامب والذي ارتكب نفس الخطأ باخفاء وثائق سرية في مقر اقامته في منتج مار ايه لاغو بفلوريدا. جادل الجمهوريون بان على وزارة العدل الأميركية إنفاذ الاجراءات القانونية على وثائق الرئيس بايدن والابتعاد عن ممارسة المعايير المزدوجة. واستنفر عدد من النواب الجمهوريون عبر تغريدات متعددة، متسائلين عن دور مكتب التحقيق الفدرالي!! وهل سيتم مداهمة منزل بايدن!!. ولم يتأخر زعيم الاغلبية الجديد الجمهوري مكارثي عن دعم زملائه في اول جولة اختبار لسير العلاقة بينهما.

لسوء حظ الرئيس بايدن، فإن الاجراءات القانونية لمعالجة تبعات هذه القضية، تقع مرةً اخرى ضمن اختصاص رئيس لجنة الرقابة والمساءلة في مجلس النواب جيمس كومر، والذي سارع بتذكير الرئيس بايدن بتصريحاته السابقة الموجهة ضد ترامب في القضية المماثلة، مطالباً وزارة العدل والارشيف الوطني، بالتعامل مع الرئيس بايدن بنفس الطريقة التي تعاملت بها مع الرئيس السابق ترامب. بغض النظر عن مراجعات وزارة العدل لهذه الوثائق ومدى تورط بايدن او محاميه بإساءة التعامل مع السجلات السرية أو الرئاسية، و/او تقليل البيت الابيض من اهمية هذه الوثائق، إلا أن الكشف عن هذا الخطأ بحد ذاته سيكون صداعًا سياسيًا مضافاً لرأس الرئيس بايدن، وهو الذي وصف احتفاظ ترامب بمئات من هذه السجلات بأنه تصرف غير مسؤول الى حد كبير.

عند التدقيق في السرد الذي يرويه الجمهوريون، فإن الرئيس بايدن متورطاً في مخطط طويل المدى للاستفادة من مناصبه السياسية. من ناحية، هندسة الاعمال التجارية والمالية العابرة لصالح نجله هنتر وعائلته، مضافاً اليها قضية اخفاء الوثائق السرية التي ظهرت على السطح حديثاً. من ناحية اخرى، ما يصممه رؤساء اللجان الجمهوريون داخل مجلس النواب من ملفات تحدثوا عنها علانيةً، تشمل، ملف الدعم المفتوح لاوكرانيا، تعريض الامن القومي الأميركي للخطر من خلال، الموقف المعادي لروسيا والصين، التساهل في ملف المهاجرين غير القانونيين للاراضي الأميركية…، ومع ذلك تبقى الكلمة الفصل لهذه الملفات وغيرها، لوزارة العدل الأميركية والجهات ذات الاختصاص، وليس لرغبات وتفضيلات قادة الحزب الجمهوري.

ما يظهر هو قصة أحزاب تتصارع مع طواحين الهواء، وتعيد إنتاج تردد صوتي لقضايا مُكررة، ظاهرها إقامة العدل المفقود، وباطنها قضايا سياسية ومزايا شخصية. ومع ذلك، هي فرصة مفيدة لنا للاطلاع على ادوات واشنطن الدائمة للتداول على الوصول والتأثير عبر العالم، خاصةً عندما ينكشف التباين في مواقف الحزبين الكبيرين. وهي أيضاً، دعوة لرصد البيئة السياسية الحزبية المشحونة والمنقسمة، والتي يتسلح كل طرف فيها بنضالات وهمية ضد الطرف الاخر، لحصد مزيداً من اصوات الناخبين وتدفق شيكات المانحين واموالهم لضمان مقعده الدائم في الكونغرس. مجسداً بهذا السلوك مقولة الصديق المقرب لترامب، ستيفن بانون: “انها الحرب”، ولا يهمنا مشاعر هنتر بايدن”.

د. عوض سـليميـة

حاصل على الدكتوراة في العلاقات الدولية في تاثير اللوبي الإسرائيلي على السياسة الخارجية تجاه القضية الفلسطينية من جامعة university utara Malaysia. زميل ابحاث ما بعد الدكتوراة في السياسة الخارجية الأمريكية. مدير برنامج السياسة الخارجية الامريكية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى