الاحدثالصورة الكبيرةقراءات معمقة

وهم الاستقرار، ظاهرة تخبط الإمبراطوريات في مراحل أفولها. والبيريسترويكا Perestroika الأمريكية المقبلة | بقلم حيدر المنصوري

التاريخ يخبرنا أن القوة العظمى عندما تشعر بتهديد وجودي لمكانتها، لا تختار التراجع العقلاني، بل تميل إلى ما يسمى التصعيد الهروبي إلى الأمام، أي الهروب من المأزق بمزيد من القوة، وهو ما يجعلها تضرب في كل اتجاه. هذا السلوك يضعنا أمام مخاطر كبرى نلمس ملامحها في مايو 2026:

في بحث سابق منشور على منصة strategicfile.com ذكرت مشكلة فخ ثوسيديدس (Thucydides’s Trap وكيف تستخدم الولايات المتحدة سياسة الرأسمالية النفعية  Utilitarian Capitalism والشراسة الجيوسياسية للحد من تراجع هيمنتها المطلقة. يمكن البحث عنه وعن بحوث أخرى منشورة مرتبطة بها.

شرحت فيها العلاقة بين القوتين المنهارة للولايات المتحدة والصاعدة للصين. ويكف تعمد الصين لتجنب الصدام مع الإمبراطورية المنهارة التي قد تضرب في كل اتجاه لحفظ كبريائها وموقعها. يمكن الرجوع إليه لمزيد من التحليل.

وما يهمني هنا في هذا  البحث هو التركيز على مراحل الانكسار الرمزية والعملية للهيبة الإمبراطورية الأمريكية في آن واحد. ومتابعة المؤشرات التي تقودنا لفهم كيفية حدوث ذلك. وتسلسل الأحداث كما حدثت لإمبراطوريات أخرى انهارت عبر التاريخ.

فالهيبة الإمبراطورية لا تسقط بالهزيمة العسكرية الشاملة فحسب، بل تسقط عندما تفشل القوة العظمى في أداء وظيفتها الأساسية كـضامن للأمن المشترك. مما يقود لتفكك الاتحاد الداخلي للإمبراطورية.

ولنبدأ برمزية ما جرى بخصوص مشروع الحرية (أو ما عُرف بمبادرة الممرات الآمنة في مايو 2026) الذي مثل ذروة هذا الفشل، والمسمار الأخير بسبب فشل الضمانة العسكرية التي حاولت البحرية توفيرها للسفن العالقة، ولكنه تحول لعقدة الثقة، فقد كان مشروع الحرية محاولة أخيرة لاستعادة ثقة شركات الملاحة والتأمين عبر تغليف التحرك العسكري بـ صبغة إنسانية (تحرير البحارة العالقين).

ولكن رفضت شركات التأمين العالمية التعامل معه، فرغم وجود الطائرات والمدمرات، رفضت شركات التأمين العالمية (مثل لويدز لندن) خفض أقساط المخاطر. هذا يعني أن العقل البارد للمال قرر أن الحماية الأمريكية غير كافية لمواجهة الرسائل الصاروخية الإيرانية واليمنية.

حقق صفر استجابة من قبل السفن العالقة أيضاً -رغم صعوبة أوضاعها- بعدم تقدم سفينة واحدة للثقة بهذا الممر وهذه إعلان وفاة سريرية لقدرة الأسطول الأمريكي على فرض إرادته في البحار.

السفن فضلت الانتظار أو سلك طرق بديلة بعيدة أو التنسيق مع البحرية الإيرانية -التي ادعت الإمبراطورية العظمى تدميرها الكامل- بدلاً من المقامرة تحت الحماية الأمريكية والثقة بها. وهذا ما حصل سابقا في الانسحاب من مواجهة الحوثي وإستمرار إهانة الأسطول المتغطرس، وتكرار الانسحاب أو العجز عن حسم المواجهة مع جماعة غير نظامية كالحوثيين كسر أسطورة الردع.

العالم يراقب كيف أن أساطيل تكلف مليارات الدولارات تعجز عن حماية ممر مائي ضيق أمام طائرات مسيرة وصواريخ منخفضة التكلفة، مما جعل الغطرسة تتحول إلى عبء. وفضلت التخلي عن مشروع الحرية كخيار إجباري، عندما أدركت واشنطن أن أحداً لم يثق بمشروعها، اضطرت للتخلي عنه.

هذا التخلي هو اعتراف ضمني بأن الأسطول الذي كان يطوف البحار كـشرطي للعالم قد أصبح حارساً بلا صلاحيات.

طهران والصين وروسيا وغيرها تقرأ هذا التراجع كـنصر بلا قتال، لأنه أثبت أن القوة الأمريكية أصبحت نمر من ورق في الممرات الاستراتيجية. وتكون طهران قد أضافت مسمار آخر في نعش الإمبراطورية.

هذا السقوط للهيبة البحرية هو الأخطر لأن الإمبراطورية الأمريكية هي إمبراطورية بحرية (Thalassocracy) بالأساس. بمجرد أن يفقد الأسطول العسكري هيبته وتتوقف السفن عن الثقة بحمايته، ينهار نظام التجارة الذي يدعم عملته.

يتحول الأسطول من أداة فرض سيطرة إلى هدف للاستنزاف اللوجستي والمالي. مشروع الحرية الفاشل لم يكن مجرد عملية عسكرية لم تكتمل، بل كان جنازة علنية لثقة العالم في القوة البحرية الأمريكية. وعندما يسقط سيف البحر، تسقط هيبة العرش في واشنطن، وتبدأ الولايات في تسريع إجراءات النجاة الفردية لأنها تدرك أن الدرع الفيدرالي قد انكسر.

انهيار الثقة والبحث عن مخارج والتفرد بالقرار وتآكل الهيبة، دفع الحلفاء بعد أن شنت واشنطن الحرب (عملية الغضب الملحمي) بشكل أحادي ودون استشارة الناتو -مما جعلهم في مواجهة تداعيات اقتصادية (مثل ارتفاع أسعار الغاز بنسبة 50%) دون أن يكون لهم رأي في قرار الحرب- دفعهم إلى اعتبار واشنطن بدلاً من أن تكون المظلة التي يحتمي بها الحلفاء، أصبحت هي الخطر الذي يهدد استقرارهم عبر التصعيد الهروبي وطلب الإتاوات السياسية والاقتصادية.

اندفاع واشنطن لمعاقبة حلفاءها بهذا الشكل يفسر سبب حالة القلق العارم في العواصم الأوروبية والآسيوية. وهي الصرخة الأخيرة ضد المظلة الممزقة.

الإمبراطورية الجريحة تعاقب حلفائها بسبب خذلانها

وهذا مؤشر آخر لانهيار الإمبراطوريات تكرر عبر التاريخ في انهيارات كثيرة، لقد صبت واشنطن غضبها على الحلفاء أكثر من الأعداء، ففي نظر الإمبراطورية الجريحة، العدو (إيران) يقوم بدوره الطبيعي، أما الحليف الذي يفر أو يبحث عن حياد، فهو في نظرها يمارس خيانة استراتيجية تُعجل بانهيار نظام القطب الواحد.

فلماذا توفر له الحماية إن لم يكن بدعم مظلتها وقوتها؟ ولماذا لا تضحي به؟ فهي لن تراه حليفا أو شريكا بل ذبابة تمتص دمها، ويجب التخلص منها.

ما نراه اليوم هو تحول الولايات المتحدة من قوة قيادية تقود بالإقناع والمصالح المشتركة، إلى قوة قسرية تحاول الحفاظ على عرشها عبر إخضاع الحلفاء أولاً.

هذا السلوك قد يحقق انصياعاً مؤقتاً، لكنه يزرع بذور الانهيار النهائي للتحالفات الغربية، ويدفع الحلفاء قسراً نحو البحث عن أمنهم في أحضان القوى الصاعدة كالصين وروسيا، وهو تماماً ما وصفتٌه بـ الهروب الذي يستجلب الغضب.

نهاية اللعبة (Endgame) في العلاقات الدولية.

في الواقعية السياسية، نحن الآن أمام مشهد يُشبه نهاية اللعبة (Endgame) في العلاقات الدولية. عندما تتحول الإمبراطورية إلى نموذج للعقاب بدلاً من نموذج للحماية، يتغير سلوك بقية اللاعبين (حلفاء وأعداء)  من التعاون إلى الاحتواء السلبي وتجنب الضربة.

هذه الاستراتيجية حيث الجميع سيحاول تجنب أن يكون الدرس القادم مع الاستمرار في الاستنزاف—تتجلى في ثلاثة مستويات.

الانحناء للعاصفة (سياسة الحلفاء)

تبدء الدول بالانحناء للعاصفة (سياسة الحلفاء) يقودها الحلفاء التقليديون خاصة في أوروبا والشرق الأوسط. يعتمدون الآن سياسة الحد الأدنى من الالتزام.

هم يدركون أن واشنطن في حالة هياج إمبراطوري وتريد كبش فداء، لذا هم يقدمون تنازلات شكلية أو رمزية لتجنب العقوبات والتعريفات الجمركية.

لكنهم في الخفاء، يسرعون من بناء قنواتهم الخاصة مع الصين وروسيا، ويبحثون عن بدائل لنظام الدولار مثل توسيع نظام إنستكس أو ما يشبهه. هدفهم هو لا تكن الهدف التالي للغضب الأمريكي، وانتظر حتى تنتهي الإمبراطورية من استنزاف نفسها.

الاستنزاف بالوكالة (سياسة الأعداء)

إيران، ومعها المحور الداعم لها (روسيا والصين)، تطبق استراتيجية الموت بألف جرح. إيران لا تسعى لهزيمة أمريكا عسكرياً وهو أمر مستحيل تقنياً، بل تسعى لجعل كل يوم تقضيه القوات الأمريكية في المنطقة عبارة عن فاتورة نزيف مالي ولوجستي.

الصين وروسيا تمدان إيران بالمعلومات والاستخبارات وأسطول الظل لضمان بقائها واقفة، لأن بقاء إيران شوكة في عين واشنطن يعني استمرار استنزاف المخازن الاستراتيجية الأمريكية من صواريخ (توماهوك) ودفاعات (باتريوت)

انهيار التحالفات التقليدية والتفكك البنيوي

تؤكد التطورات الأخيرة (مايو 2026) أن التحالفات التقليدية للولايات المتحدة تمر بمرحلة من التفكك البنيوي، حيث تحولت العلاقة من شراكة استراتيجية إلى حالة من فقدان الثقة والبحث العلني عن بدائل، وهو ما يتجلى في الإهانات الدبلوماسية وسحب الأصول السيادية.

كل ذلك يعجل بنهاية عصر الهيمنة الأمريكية، فإهانات الحلفاء، وكسر جدار الصمت، كما يفعله قادة مثل المستشار الألماني فريدريش ميرتز ورئيس الوزراء الكندي مارك كارني، ليس مجرد زلات لسان، بل هو إعلان عن انتهاء حقبة التبعية خلف الإمبراطورية.

ففي ألمانيا، وجه المستشار ميرتز انتقادات حادة وصفت بـ المهينة للاستراتيجية الأمريكية في حرب إيران، معتبراً أن واشنطن تسببت في إذلال نفسها وجرت أوروبا إلى كارثة طاقة.

فتجرء القادة الأوروبيون لتوجيه الاهانات للرئيس الامريكي بعد أن كانوا يتلقونها، يعكس بداية جرأتهم على التمرد على الغطرسة الأمريكية وأن تهدئة الأمور بينهم لم تعد تهمهم.

فرئيس وزراء كندا والمستشار الالماني -وقد كان من اشد المدافعين عنه- وسحب فرنسا لذهبها من امريكا كل هذه عوامل بداية تخلي الحلفاء عن أمريكا.

رد فعل ترمب بتهديده بسحب القوات وفرض تعريفات جمركية لم يزد ألمانيا إلا إصراراً على بناء استقلال عسكري وأمني بعيداً عن واشنطن.

وفي كندا، بعد تنحي ترودو، تبنى مارك كارني خطاباً أكثر سيادية، حيث تعرض لانتقادات شخصية من ترمب الذي وصف كندا بأنها تعيش بفضل الولايات المتحدة، وهو ما اعتبره الكنديون إهانة وطنية سرعت من وتيرة البحث عن شراكات اقتصادية مع آسيا. وصلت لمقاطعة المنتجات الأمريكية على الصعيد الوطني وتفضيل كل ما هو كندي.

سياسة إفراغ الخزائن والفرار

وختمت فرنسا كل ذلك  حين سحبت ذهبها من نيويورك وفضلت الهروب من السلاح المالي الذي كان يحتجز ذهبها فقد كان الحدث الأبرز في أبريل 2026 بإعلان فرنسا عن سحب كامل احتياطاتها من الذهب من خزائن الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك. فقد نقلت فرنسا بين يوليو 2025 ويناير 2026، 129 طناً من الذهب (آخر ما تبقى لها في أمريكا) إلى باريس.

ورغم محاولة تصوير العملية كإجراء تقني، إلا أن الاستراتيجيون من خلال مراجعتهم للتاريخ يجمعون على أنها خطوة استراتيجية لحماية أصولها من تقلبات السياسة الأمريكية ومنع واشنطن من استخدام الذهب كأداة ضغط أو مصادرة في حال تفاقم الخلافات حول ملفات إيران أو التجارة.

وعلى خطى فرنسا، تتصاعد الآن في ألمانيا ضغوط هائلة من اقتصاديين وأحزاب سياسية (مثل الاتحاد المسيحي الديمقراطي) لمطالبة البنك المركزي (البوندسبانك) بسحب الـ 1236 طناً من الذهب المتبقية في نيويورك.

والحجة الألمانية أصبحت علنية: ذهبنا لم يعد آمناً في خزائن الفيدرالي بسبب عدم القدرة على التنبؤ بسياسات الإدارة الأمريكية الحالية وتلويح واشنطن باستخدام السلاح المالي ضد أصدقائها قبل أعدائها.

الحلفاء يدركون أن الإمبراطورية الجريحة قد تضحي بمصالحهم لإنقاذ نفسها، ولذلك يسلكون جميعاً طريق تأمين الهبوط، وسحب الذهب يهدف لتوفير غطاء مالي للعملات المحلية عند انهيار الدولار المتوقع. فهذه الإهانات الدبلوماسية تهدف لتهيئة الشعوب الأوروبية والكندية لتقبل فكرة الاستقلال المر عن المظلة الأمريكية التي أصبحت عبئاً أمنياً واقتصادياً.

وهذا يشبه تماماً الأيام الأخيرة لأي تحالف إمبراطوري في التاريخ؛ عندما يبدأ الشركاء في سرقة الأمتعة والفرار من السفينة قبل أن تغرق تماماً تحت ثقل ديونها وحروبها الخاسرة.

عزل الإمبراطورية عن القيادة العالمية

العالم بدأ يدرك أن واشنطن لم تعد حَكَماً دولياً، بل أصبحت طرفاً متصارعاً. هذا التحول يدفع دول العالم الثالث والقوى الناشئة إلى تجنب اتخاذ مواقف علنية ضد واشنطن لتفادي الضرب في كل اتجاه.

بناء تكتلات موازية (مثل بريكس+ ومنظمة شنغهاي) التي تعمل بصمت على سحب البساط من تحت الهيمنة الأمريكية دون الدخول في مواجهة صاخبة.

الدرس الذي لا يتعلمه أحد والمفارقة المأساوية في كبرياء الإمبراطورية الجريحة هو أنها تظن أن ضربها في كل اتجاه سيجعل الآخرين يتعلمون الدرس ويعودون للولاء. لكن الحقيقة هي أن هذا السلوك يجعل الجميع يتعلمون كيف يبتعدون عنها وكيف يسرعون في إضعافها بصمت.

واشنطن تحول نفسها من قائد العالم إلى منبوذ العالم المسلح، وهو أخطر سيناريو يمكن أن تمر به أي إمبراطورية. إنها عملية تفكيك هادئ لهيبة دامت ثمانين عاماً، تجري تحت غطاء من الدخان والصواريخ في سماء طهران.

المأزق الأفغاني للسوفيت يتكرر للإمبراطورية الأمريكية بنكهة بحرية مضائقية

المأزق الأمريكي الحالي في مواجهة إيران أخطر بكثير من الفخ الأفغاني الذي سقط فيه السوفييت حين إحتلت أفغانستان في أواخر سبعينيات القرن الماضي. وقد سقطت أمريكا نفسها في فخ أفغانستان والعراق من قبل وكلف ذلك مديونية لاقتصادها ما يزيد عن الأربعة تريليون دولار.

وديونها المملوكة للعموم والدول الأخرى Held By Public كما يطلق عليها رسمياً، زادت رسميا في آذار الماضي عن الناتج الإجمالي GDP بنسبة 100% وهذا هو الشيء الوحيد الأكيد، انه يفوق 100% الآن.

في الحالة السوفيتية، كانت أفغانستان نزيفاً داخلياً، فلم تكن تمتلك مضيقا لتضغط به على العالم، فقد استنزفت الميزانية، وأهانت كرامة الجيش الأحمر، وكسرت ثقة الشعب في القيادة.

لكنها كانت حرباً خلف الأسوار، لم تؤثر بشكل مباشر على أسعار الخبز في موسكو أو إمدادات الطاقة للعالم. كان الانهيار السوفيتي نتاج تآكل ذاتي داخلي عجلت به الهزيمة العسكرية.

على العكس تماماً، إيران اليوم تمتلك صمامات القلب الاقتصادي للعالم. الحرب معها لا تعني فقط استنزاف صواريخ توماهوك، بل تعني خنق الملاحة.

والقدرة على إغلاق مضيق هرمز أو تعطيله تعني أن الرسالة الصاروخية الإيرانية تصل إلى كل محطة وقود في العالم، بما في ذلك الولايات المتحدة.

والارتداد الفوري والاستنزاف هنا ليس بطيئاً كما كان في أفغانستان، بل هو صدمة كهربائية للنظام المالي العالمي.

ارتفاع أسعار الطاقة يضرب الدولار في مقتل، وهو ما يعجل بـ سيناريو البيروسترويكا وتفكك الولايات التي لن تتحمل تكلفة المعيشة من أجل كبرياء جريح. وستتحول للجرح الذي لا يندمل. إذا كانت أفغانستان قد جرحت كبرياء السوفييت، فإن المواجهة مع إيران تضرب أساس الهيبة الأمريكية.

واشنطن تراهن بـحرية الملاحة وأمن الطاقة، وهي الركائز التي قامت عليها الإمبراطورية بعد الحرب العالمية الثانية. الفشل في تأمين هذه الممرات أمام دولة محاصرة يعني إعلان نهاية العصر الأمريكي رسمياً.

وإنتقال المرحلة من الاستنزاف إلى الانهيار لن يكون بعيداً.

فأفغانستان كانت بداية النهاية للسوفييت لأنها كشفت ضعفهم، لكن إيران هي النهاية لواشنطن لأنها تملك الأدوات اللازمة لهدم الهيكل المالي (الدولار) الذي تستند إليه الإمبراطورية.

إن المجتمع الأمريكي المسلح وتفكك الولايات سيعجلان بتحويل هذا الفشل الخارجي إلى انفجار داخلي لا يمكن احتواؤه.

الإمبراطورية الجريحة:

 الاندفاع نحو الفخ -مع إدراك وجوده- هو قمة التراجيديا السياسية. في حالة واشنطن اليوم، نجد أن صانع القرار يقع تحت ضغوط تجعله يندفع نحو حتفه بوعي كامل، تزيد من زخم سقوطه. وذلك لعدة أسباب:

فخ المصداقية (The Credibility Trap):

الإمبراطورية تدرك أن التراجع أمام إيران الآن ليس مجرد خسارة جولة، بل هو اعتراف علني بأن المظلة الأمريكية قد تمزقت. هذا الإدراك يدفعها للمقامرة بكل شيء (حتى لو علمت أنها خاسرة) فقط لتأجيل لحظة الاعتراف بالهزيمة، خوفاً من أن يؤدي التراجع إلى انهيار فوري في تحالفاتها الدولية وقيمة الدولار.

ضغوط اليمين المتطرف والداخل:

المجتمع الأمريكي مستقطب ومسلح. أي تراجع للرئيس أو المؤسسة العسكرية سيُفسر داخلياً على أنه خيانة أو ضعف، مما قد يشعل شرارة الصدام الداخلي بين الولايات المسلحة مبكراً. لذا، يهرب صانع القرار إلى الحرب الخارجية لتأجيل الحرب الأهلية الداخلية.

العمى المؤسسي المكتسب:

رغم وجود الإحداثيات النووية لدى الجيش، إلا أن عمليات التطهير والتخلص من القيادات المخالفة داخل المؤسسة العسكرية والمدنية حولت المؤسسات من أدوات تحذير إلى أدوات تنفيذ.

القادة الباقون يدركون الفخ، لكنهم يضغطون على الزناد لأنهم يخشون بطش الإمبراطور الجريح بالداخل أكثر من خشيتهم من هزيمة الميدان بالخارج.

تكتيك حرق المراكب:

عندما يدرك الطرف القوي أن الهيمنة في طريقها للزوال، قد يلجأ لسياسة الأرض المحروقة؛ أي تدمير النظام العالمي الحالي (الذي لم يعد يسيطر عليه) لضمان ألا يستفيد منه الخصوم (الصين وروسيا). واشنطن اليوم تسير في طريق إجباري رسمه كبرياؤها الجريح.

هي تدرك أن استنزاف إيران لها، وضغط مضيق هرمز على اقتصادها، وتفكك ولاياتها، هي مسامير في نعشها. لكنها تندفع للأمام لأن التوقف يعني السقوط، والاستمرار يعني الانهيار، وقد اختارت الانهيار وهي تقاتل على أن تسقط وهي صامتة.

هذا يفسر لماذا الرسائل الصاروخية الإيرانية تُقرأ في واشنطن كإهانات شخصية تستوجب الرد، بينما هي في الحقيقة أوتاد تُدق في نعش الفيدرالية الأمريكية.

الإدراك المتأخر والاندفاع بدون فرامل لدى الإمبراطوريات المتغطرسة.

المشكلة أن أمريكا، تاريخياً، لا تمتلك فرامل ديبلوماسية في صراعاتها الكبرى، بل تمتلك عطالة إمبراطورية تجعلها تندفع بقوة الزخم حتى تصطدم بالحائط.

هذا النمط من الإدراك المتأخر تكرر في فيتنام، وفي العراق وفي أفغانستان (التي استغرقت 20 عاماً لإدراك عبثية البقاء)، والآن يتكرر مع إيران ولكن بوتيرة أسرع وبتبعات أخطر.

هذا الطريق نحو الهاوية  يصبح حتمياً في العقلية الأمريكية الحالية. فإنكار الواقع الميداني -كما حدث في فيتنام- حين رفضت القيادة السياسية في واشنطن الاعتراف بأن الرسائل الصاروخية الإيرانية قد غيرت موازين القوى.

هم يعتمدون على تقارير المطبلين (بعد تطهير القادة المؤثرين) التي تعد بنصر قريب، ولا يستفيقون إلا عندما تصبح التكلفة غير قابلة للاستمرار. ولكن بعد تجاوز نقطة اللاعودة فأمريكا تربط هيبة الدولار بهيبة جيشها. يقدمون له ما يكبح غضبه عنهم. ليأمنوا شر لسانه السليط عليهم.

الانسحاب يعني اعترافاً بضعف العملة، لذا يكملون طريق الهاوية ظناً منهم أن الضربة القادمة قد تنقذ النظام المالي، بينما هي في الحقيقة تستنزف ما تبقى من رصيد. وهنا تكون الاستفاقة متأخرة في قاع الهاوية.

فالإدراك الأمريكي يأتي دائماً عندما تبدأ الموارد المادية (الذخائر، الأموال) والبشرية في النضوب التام، وعندما يبدأ التفكك الداخلي (كما في الولايات الآن) في تهديد وحدة البيت نفسه. في تلك اللحظة فقط، يغادرون الميدان بشكل فوضوي، تاركين خلفهم دماراً شاملاً. كما حدث في انسحابهم في أفغانستان.

لأنها لا تنسحب لأنها عقلانية، بل تنسحب لأنها لم تعد قادرة على الاستمرار. وفي حالة إيران، يبدو أن طريق الهاوية سيؤدي هذه المرة إلى تفكك الفيدرالية وسقوط العرش النقدي العالمي قبل أن يدرك الجالسون في واشنطن أن الحرب قد انتهت فعلياً منذ الصاروخ الأول.

انحدارات الإمبراطوريات تكون متدرجة وتراكمية.

خلاصة فلسفة التاريخ تعلمنا الدروس. فالتاريخ لا يسير في قفزات مفاجئة، بل في انحدارات متدرجة وتراكمية.

الإمبراطوريات، مثل الاتحاد السوفيتي، لم تسقط بين ليلة وضحاها، بل خضعت لعملية نخر عظم طويلة، حيث يستنزف الوقت مواردها، وتأكل الصراعات الداخلية هيبتها، حتى تأتي اللحظة التي تنهار فيها القشرة الخارجية التي كانت تبدو صلبة.

الاستشراف عبر الماضي يقودنا إلى نتائج حتمية لهذا المسار:

عامل الزمن كأداة قتل:

ففي أفغانستان، لم يهزم المجاهدون السوفييت في معركة كبرى واحدة، بل جعلوهم ينزفون اقتصادياً ومعنوياً لعقد من الزمان.

إيران، كما ناقشنا، تطبق نفس الاستراتيجية ولكن بأدوات ضغط عالمية (الممرات الملاحية والطاقة)، مما يجعل الوقت عدواً قاتلاً لواشنطن.

حتى يبدئ تآكل العقد الفيدرالي. الوقت الذي ستستغرقه الحرب هو نفسه الوقت الذي سيمنح الولايات الأمريكية (مثل تكساس وكاليفورنيا) الفرصة لفك ارتباطها بمركز منهار (واشنطن). كلما طال أمد النزيف الخارجي، زادت القناعة بالداخل بأن النجاة الفردية للولايات هي الحل الوحيد.

خذلان الحلفاء والنهاية البيروسترويكية الأمريكية:

ففي نهاية المطاف، وعندما تخلى الإتحاد السوفيتي عن الوقوف إلى جانب حلفائه كالعراق في حرب الخليج الأولى التي ساقه الأمريكان إليها عبر خداعه باحتلال الكويت.

سيأتي الإدراك الأمريكي متأخراً كما حدث في موسكو عام 1991. سيجدون أنفسهم أمام جيش مُجْهَد، وعملة منهارة. وتخليهم عن نصرة حلفائهم في الخليج، الذين تحولوا هم للدفاع عن المعسكرات الأمريكية التي وجدت أساسا لتحميهم.

وفي ظل ولايات تطالب بالسيادة على أسلحتها، وحينها لن يكون الانسحاب خياراً، بل سيكون واقعاً مفروضاً لإعلان نهاية عصر القطب الواحد. فالحرب مع إيران ليست سوى المحفز الذي يسرع صيرورة التفكك التاريخي.

نحن نشهد الآن فصول الرواية الأخيرة لإمبراطورية تحاول بعناد تأجيل المحتوم، بينما يخبرنا التاريخ أن المحتوم قادم لا محالة، وبنفس الأدوات التي أسقطت من سبقها.

مناورات إرادة السلام BRICS (Will for Peace 2026)

تعد المناورات البحرية لبريكس BRICS في بداية (2026) تجسيداً حياً لترتيبات ما بعد أمريكا. فبينما تنشغل واشنطن باستنزاف كبريائها في صراعاتها الإقليمية، تتحرك القوى الصاعدة لملء الفراغ الأمني الذي كانت تحتكره البحرية الأمريكية لعقود.

تعزز مناورات إرادة السلام (Will for Peace 2026) التي جرت في جنوب أفريقيا هذا التعاون في كسر الاحتكار الأمني الأمريكي.

لأول مرة، تخرج مجموعة بريكس+ (BRICS+) من إطار التعاون الاقتصادي إلى التحالف الأمني البحري الفعلي.

المناورات التي قادتها الصين وشاركت فيها روسيا وإيران والإمارات في يناير 2026، جرت عند واحد من أهم مفارق الطرق البحرية في العالم (ملتقى المحيطين الأطلسي والهندي). والرسالة واضحة.

تأمين طرق التجارة العالمية لم يعد امتيازاً أمريكياً حصرياً. القوى الناشئة بدأت ترسم خرائط أمنية بديلة لا تمر عبر واشنطن.

وهناك ستكون إيران شريك أمني دولي. مشاركة إيران بسفينتها الضخمة مكران (Makran) في هذه المناورات، رغم الضغوط والتهديدات الأمريكية بفرض عقوبات على الدول المشاركة، تعني أن سلاح العزل الأمريكي لم يعد فعالاً.

الحلفاء (مثل جنوب أفريقيا) اختاروا المضي قدماً في التدريبات مع إيران وروسيا رغم تحذيرات إدارة ترامب، مما يؤكد أن الخوف من الإمبراطورية بدأ يتلاشى أمام المصالح الاستراتيجية الجديدة والبراغماتية الصينية في الميدان.

تقود الصين هذه المناورات لتظهر للعالم أنها مستعدة لتكون الضامن الجديد لاستقرار الأسواق وإمدادات الطاقة. هي تترك واشنطن تغرق في تفاصيل الحرب والاستنزاف، بينما تبني هي جسوراً عسكرية مع دول الجنوب العالمي لتأمين مصالحها. والهروب من شرطة البحار الأمريكية. هذه التحركات هي تمرين حي على كيفية إدارة العالم دون الحاجة لـ شرطي أمريكي.

الدول المشاركة تتدرب على حماية سفنها، مكافحة القرصنة، والعمل المشترك، مما يجعل الوجود العسكري الأمريكي في تلك المناطق يبدو تدريجياً كأنه إرث من الماضي.

المناورات البحرية في جنوب أفريقيا ليست مجرد تدريبات عسكرية، بل هي حجر الأساس لنظام أمني دولي جديد يتشكل بينما تنشغل الإمبراطورية بتفكيك وزاراتها الفيدرالية وتصفية قادة جيشها. العالم لا ينتظر سقوط أمريكا، بل بدأ بالفعل ببناء البيت الذي سيسكنه بعد رحيلها.

ترتيبات اقتصادية تهدف لتعجيل التخلص من الدولار

المحرك الحقيقي للتغيير سيكون اقتصاديا، فالقوة العسكرية تحمي النظام، لكن النظام المالي هو الذي يمنحه الحياة. ما نشهده الآن ليس مجرد رغبة في التخلص من الدولار، بل هو بناء هيكل بديل مكتمل الأركان يتم تفعيله بسرعة لتعميق عزلة واشنطن. وقد قمت بتفصيل ذلك في بحث سابق منشور على منصة Strategicfile.com وكذلك منصة  masamcenter.com (بعنوان السيادة الرقمية والقومية الرقمية الحديثة) وكذلك منشور آخر بعنوان (السيناريو المتفائل في شرق أوسط جديد) وسأشير هنا على سبيل الإجمال لا الحصر.

بريكس بلس والعملة الموحدة (BRICS Pay)

انتقلت مجموعة بريكس من النقاشات النظرية إلى التنفيذ الفعلي لنظام  BRICS Payهذا النظام يسمح للدول الأعضاء (التي تشمل الآن قوى نفطية كبرى مثل إيران والسعودية والإمارات) بتسوية المعاملات التجارية بـسلة عملات محلية أو رقمية، مما يعني إخراج مليارات الدولارات من دورة التجارة النفطية العالمية. تحويل الدولار من ضرورة عالمية إلى عملة محلية أمريكية لا يحتاجها الآخرون لتبادل السلع.

البترويوان واتفاقيات المقايضة

الصين، بصفتها أكبر مستورد للنفط، بدأت تفرض واقعاً جديداً وهو البترويوان. شراء النفط من إيران وروسيا باليوان الصيني يضرب اتفاقية البترودولار (التي دامت 50 عاماً) في مقتلها. إيران تستخدم هذا اليوان مباشرة لشراء التكنولوجيا والبنية التحتية من الصين، مما يخلق دورة اقتصادية مغلقة لا تمر عبر البنوك الأمريكية ولا تتأثر بسلاح العقوبات.

العملات الرقمية للبنوك المركزية (CBDCs):

الترتيب الأكثر ذكاءً هو الربط بين العملات الرقمية للبنوك المركزية (مثل الروبل الرقمي واليوان الرقمي). هذا النظام يتجاوز شبكة سويفت (SWIFT) التي تسيطر عليها واشنطن. في هذا النظام، يتم الانتقال المالي بشكل لحظي ومباشر بين الدول، مما يجعل قدرة واشنطن على تجميد الأصول أو مراقبة التحويلات أمراً من الماضي.

تكديس الذهب كملاذ أخير

تقوم البنوك المركزية في الصين وروسيا والهند (وحتى بعض حلفاء أمريكا) بشراء الذهب بمعدلات تاريخية. هذا الترتيب يهدف لـ تأمين الهبوط؛ أي امتلاك قاعدة صلبة من الذهب تدعم العملات المحلية عندما يبدأ الدولار في التآكل نتيجة التضخم والديون الأمريكية الهائلة الناجمة عن استنزاف الحروب.

هذه الترتيبات هي المقصلة التي تنتظر الدولار عند نهاية طريق الهاوية. واشنطن تندفع عسكرياً في إيران، بينما العالم يُفرّغ الدولار من قيمته العالمية بصمت. وعندما يدرك الجنرالات في واشنطن أنهم لم يعودوا يملكون القدرة المالية لتمويل إمبراطورتيهم، ستكون هذه الأنظمة البديلة هي الواقع الجديد الذي لا يمكن العودة عنه.

التحول من التبعية العالمية إلى التخلي الاستراتيجي

المحفز الاستراتيجي للانهيار وهو التحول من التبعية العالمية إلى التخلي الاستراتيجي. إن مصير الدولار —وبالتالي الإمبراطورية— بات الآن في أيدي دائنيه أكثر مما هو في أيدي جنرالاته.

وسوف يبدء بالتآكل التدريجي (الخروج الواعي) وهذا هو مسار الدول التي تقوم ببطء بفك ارتباط مستقبلها بواشنطن لتجنب الانجرار معها إلى القاع.

تقوم دول مثل الصين والبرازيل، وحتى حلفاء تقليديون، يقومون بشكل منهجي بتقليل حيازاتهم من سندات الخزانة الأمريكية.

وبدلاً من إعادة استثمار فوائضهم التجارية في الديون الأمريكية، يقومون بشراء الذهب أو الاستثمار في البنية التحتية الإقليمية. عندما يتوقف العالم عن إقراض أمريكا عبر رفض شراء سنداتها، تفقد الحكومة الأمريكية قدرتها على تمويل ميزانيتها العسكرية الضخمة والخدمات الاجتماعية دون التسبب في تضخم مفرط. وهذا يعجل بتفكيك الوزارات الفيدرالية لأن الأموال ببساطة تنفذ.

الذعر والصدمةَ المفاجئة:

وهذا يٌحدِث خروجٌ الذعر والصدمةَ المفاجئة عندما يتحول الوعي إلى خوف. إذا قرر دائن رئيسي (مثل اليابان أو الصين) التخلص من سنداته الأمريكية دفعة واحدة، فسيؤدي ذلك إلى تأثير الدومينو، حيث ستنخفض قيمة الدولار بين عشية وضحاها، مما يجعل تكلفة الواردات —خاصة الطاقة— لا تطاق بالنسبة للشعب الأمريكي.

في هذا السيناريو، تفقد الإمبراطورية الجريحة قدرتها على العمل فوراً. والإدراك المتأخر للقادة العسكريين سيقطعه تعطل لوجستي كامل. سيعززه إضراب الدائنين. وهو الفعل النهائي للعصيان عبر رفض الإقراض.

لعقود من الزمن، مول العالم نمط الحياة الأمريكي وحروبها عبر شراء الديون.

الآن، ومع دخول الولايات المتحدة في دوامة من الحرب اللانهائية مع إيران وعدم الاستقرار السياسي الداخلي، يرى الدائنون السندات الأمريكية كـأصول سامة.

لماذا تقرض إمبراطورية تقوم بتطهير جيشها وتفكيك وزاراتها؟ لماذا تقرض دولة قد تستخدم تلك الأموال للضرب في كل اتجاه، بما في ذلك مصالح المقرضين أنفسهم؟

سواء كان نزيفاً بطيئاً أو نوبة قلبية مفاجئة، النتيجة واحدة، وهي  نهاية الامتياز الباهظ للدولار. فبدون رغبة العالم في شراء ديونها، يصبح كبرياء واشنطن قشرة جوفاء، وستُجبر الولايات على الدخول في وضع البقاء القائم على اللامركزية والسيادة المحلية. إن رسالة الصاروخ في طهران يتردد صداها عبر صمت الدائن في الأسواق العالمية.

التخلف عن سداد الدبون

كامبراطورية جريحة لن تبالي إذا تخلفت عن سداد الديون ومصادرة أصول الغير، ولكنها الافضل أن تحترم بعض من التزاماتها لحفظ ماء وجهها والبقاء كقطب يمكن التعامل معه، حسب معطيات مايو 2026.

يجادل كثيرون بأن أمريكا لم ولن تتخلى عن الالتزام بتعهداتها الدولية ولكن التخلف عن السداد أو مصادرة الأصول لن يكون دافعه مجرد جشع، أو إغراء السرقة الاستراتيجية، بل هو يتعلق بـبقاء النواة الفيدرالية. وعدم التخلف عن السداد يعني تقديم فوائد أعلى لدائنين آخرين لتعويضهم وتشجيعهم للإقراض لتتمكن من تسديد ديونها القديمة، وهذا يزيد من الديون وتراكمها وتعجيل انهيارها. فتسديد الديون باستدانة أخرى وعرض فوائد أعلى هو انتحار اقتصادي.

البحث عن توفير سيولة فورية لتمويل احتياجاتها العسكرية والداخلية سيفوق منطق الحفاظ على الثقة العالمية.

المعضلة القصوى للقوة هي الاختيار بين السرقة الاستراتيجية قصيرة المدى للبقاء حياً اليوم، وبين الثقة طويلة الأمد للبقاء طرفاً فاعلاً غداً.

أمريكا كـإمبراطورية جريحة ستفضل البقاء اليوم على الثقة طويلة الأمد. مؤخرا قامت بالسطو على مدخرات كثيرة في محافظ بتكوين بمئات الملايين من الدولارات ومصادرتها بحجة الأمن القومي.

وسينكشف حينها مقدار التمويلات الغير شرعية التي تديرها في الخفاء لتمويل كثير من أعمالها القذرة حول العالم وهذا ما سيزيد من انكشافها أمام العالم وأمام حلفائها، ويزيد من هروب أنصارها وداعميها والابتعاد عنها لتجنب تلويث سمعتهم بقذاراتها، لو وقفوا إلى جانبها.

وهذا ما يحذر منه الخبراء من أن مثل هذه الخطوة ستكون كارثية على الثقة العالمية؛ فهي سترسل رسالة إلى الصين والهند والسعودية بأن أصولهم لم تعد آمنة، مما ينهي فعلياً دور الدولار كعملة احتياط محايدة. وهذه تكلفة اللا-عودة.

أمريكا تعلم أنه من الأفضل احترام بعض الالتزامات، لكن في عام 2026، لا يتعلق الأمر بالشرف فحسب، بل بإبقاء المحرك يعمل. وإعطاء الأولوية للدائنين لتجنب التخلف التقني.

الخزانة ستقع بين خيارين أحلاهما مر، وربما لو حاولت دفع مستحقات المقرضين الدوليين أولاً لحفظ مصداقيتها مع تقليص الإنفاق الداخلي على الرعاية الصحية ورواتب العسكريين، وهي محاولة لـ حفظ ماء الوجه عالمياً بينما البيت يحترق داخلياً. وهذا سيناريو مستبعد فالتاريخ يخبرنا أن الإمبراطوريات ضحت بالخارج للحفاظ على الداخل.

وهم الاستقرار الحالي:

قد يمنع هروب الذعر مؤقتاً، فرغم الفوضى المالية، سجل الطلب الأجنبي على سندات الخزانة الأمريكية أعلى مستوى له منذ ثلاث سنوات في أوائل 2026. هذا يشير إلى أنه طالما حافظت واشنطن على وهم الاستقرار واحترمت ديونها، يمكنها الاستمرار في الاقتراض.

ولكن انقلاب الضرورة سيحدث إذا قررت القيادة السياسية حرق كل شيء عبر التخلف عن السداد أو مصادرة الأصول.

فقد ترى المؤسسة العسكرية —التي تعتمد على نظام مالي عالمي وظيفي لقواعدها ولوجستياتها— ذلك بمثابة خيانة للأمن القومي.

ولكنها في الواقع ستفضل دفع رواتب عسكرييها -لتجنب فورة غضبهم وتخليهم عن مواقعهم- وتغطية نفقات عسكرتها أولاً.

فالإمبراطورية ستقدم دفع رواتب جنودها على الوفاء بديونها حتى لو فقدت صفتها كإمبراطورية. فالجيش لن يرى أن الحفاظ على شرف الدولار هو السبيل الوحيد لمنع تحول الولايات المتحدة إلى دولة فاشلة بل سيفضل إنقاذها من التحول لمجرد إمبراطورية متآكلة.

العقوبات التي تستخدمها واشنطن في تجميد الأصول كسلاح تخويف، سينقلب عليها، حين يقرر الدائنون التوقف عن إقراضها، وهذا ما سيؤدي إلى نوبة قلبية مالية عالمية.

ستحاول واشنطن إبتداءاً الجمع بين النقيضين، استخدام الأصول المجمدة والسندات لتمويل حروبها مع تجنب سرقة أصل المال تقنياً للحفاظ على حيوية الدولار.

ولكن مع نمو الدين بمعدل 5 مليارات دولار يومياً، فإن الوقت المتاح لـ احترام الالتزامات بدأ ينفد. واليوم الذي تتجاوز فيه الديون الفيدرالية الخارجية مجموع الناتج المحلي قد حل منذ آذار الماضي 2026. ثم ينتقل لتجاوز الديون الداخلية.

فجوة الوهم بين الأمل المالي والواقع الميداني

وقد تستفيد واشنطن من فجوة الوهم بين الأمل المالي والواقع الميداني. فالسوق حالياً يعيش حالة من الانفصال عن الواقع، حيث يتم التداول بناءً على علاوة سلام ترامب (Trump Peace Premium)، وتغريداته الوردية بجمال تحركاته.

أي الأمل في أن قدرة الرئيس على إبرام الصفقات، ومن يصدق الوهم في خداع المهرجين وحيلهم لإلهاء الجمهور، سيكون مصيره الاصطدام بواقع لا مفر منه.

هذا التسعير للسلام هو مجرد وهم وقشرة هشة ستبدأ في التحطم، وسيؤدي الانتقال إلى تسعير الحرب والتضخم بمجرد ظهور النتائج إلى ذاك الانحدار السريع والمدوي.

حالياً، لا يزال المستثمرون يراهنون على صراع قصير وحاد يتبعه اتفاق كبير، وهم يتجاهلون إشارات الاستنزاف في الاقتصاد وعمليات التطهير داخل البنتاغون.

حتى لو انهزمت طهران كما حدث في أفغانستان، فوهم الأسواق (Hopium) الواهي حيث يتم دعم أسواق الأسهم بالاعتقاد بأن الضغط الأقصى سينجح بين عشية وضحاها.

كل يوم يظل فيه مضيق هرمز منطقة نزاع، وكل يوم يستمر فيه أسطول الظل بنقل النفط، يضعف أساس هذا التسعير للسلام.

لقد وقعنا في الفخ:

سيصبح الانحدار سريعاً ومدوياً في اللحظة التي يدرك فيها السوق أن واشنطن قد وقعت في الفخ. عندما تؤكد البيانات أن مخزونات الصواريخ الأمريكية قد استنفدت، وأن إيران لن تتنازل عن سيادتها مقابل رفع للعقوبات، وأن النصر قد لا يأتي أبداً، يبدأ إعادة التسعير. صدمة النفط ستحدث قفزة مفاجئة إلى 150 أو 200 دولار للبرميل عندما يدرك السوق أن الحصار دائم وليس مؤقتاً.

سيقوم الدائنون (الصين، اليابان، وحتى الحلفاء الفارين) بالتخلص من سندات الخزانة الأمريكية لحماية أنفسهم من التضخم الناتج عن تسعير الحرب. هذا هو مصدر الدوي؛ إنه صوت انهيار الهندسة المالية العالمية.

ثم تبدء عملية الانتقال من عدم التصديق إلى الذعر. الانحدار دائماً ما يكون أسرع من الصعود. بمجرد أن يتوقف السوق عن التسعير للسلام ويبدأ في التسعير لحرب متعددة السنوات والجبهات بعملة منهارة.

تبدء بهروب المؤسسات، ستهرب رؤوس الأموال من الدولار الورقي إلى الأصول الصلبة (الذهب والمعادن).

حدث ذلك في مضائق أخرى من قبل في التاريخ فقد حدث في قناة السويس للباوند البريطاني (وقد أشرت لذلك في بحث سابق منشور) وهذا يفسر لماذا بدأت ولايات مثل يوتاه وتكساس —ودول مثل فرنسا— في تأمين ذهبها الآن، فهم المطلعون الذين بدأوا بالفعل في التسعير للحرب بينما لا يزال سوق التجزئة يأمل في السلام.

تتحول بعدها الانهيارات لتصل الشركات. حيث ستواجه الشركات الأمريكية، التي تعاني بالفعل من ارتفاع أسعار الفائدة واضطراب سلاسل الإمداد، ثقباً أسود للسيولة مع تلاشي القوة الشرائية للدولار.

إدراك التخلف عن السداد السيادي سيكون متأخرا. الجزء الأكثر دوياً في هذا الانحدار سيكون إدراك أن الحكومة الفيدرالية الأمريكية لا تستطيع تحمل تكلفة الحرب التي تخوضها. عندما تتجاوز تكلفة خدمة الدين إجمالي الميزانية العسكرية، سيسعر السوق تخلفاً عن السداد السيادي.

في تلك اللحظة، يصبح وضع البقاء للولايات هو الواقع الوحيد المتبقي. منطق إنقاذ الجسد بالتضحية بالطرف هو بالضبط الطريقة التي تحسب بها الإمبراطورية المحتضرة فرص بقائها. فإن إغراء

ستكون هناك مرحلة الصمت التي تسبق العاصفة. السوق يشبه شخصية كرتونية ركضت من فوق منحدر ولم تنظر لأسفل بعد. لحظة النظر لأسفل سيحفزها حدث واحد —ربما رسالة صاروخية كبرى أخرى من طهران أو إضراب دائنين علني من حليف رئيسي— والسقوط الناتج سيكون عمودياً.

أن فجائية هذا الانهيار في السوق ستكون هي المحفز النهائي الذي يجبر الجيش الأمريكي على التدخل داخلياً، لان الفوضى المالية ستكون مطلقة لدرجة أنها ستصيب حتى الجيش بالشلل. إن انهيار الدولار هو لحظة الحقيقة القصوى، لأنه القوة الوحيدة القادرة على تجاوز العمى الأيديولوجي. في عالم الإمبراطوريات، الذهب والائتمان هما شريان الحياة؛ وعندما يتوقف تدفق الدم، يسقط السيف من اليد، بغض النظر عن مدى إصرار القيادة على القتال.

في هذه المرحلة الأخيرة من الإمبراطورية الجريحة، يعمل الانهيار الاقتصادي كمحفز لـ الإدراك المتأخر بعدة طرق إبتداءا بنهاية الشيك على بياض. لطالما ظل الدولار محتفظاً بمكانته، يمكن لواشنطن طباعة الأموال لتمويل عملية الغضب الملحمي (Epic Fury) وتهدئة الشارع.

ولكن في اللحظة التي تتبخر فيها الثقة بالدولار —مدفوعة بصمود إيران وتحول الحلفاء الآسيويين نحو النفط الروسي— ستتوقف الآلة اللوجستية العسكرية ببساطة. لا يمكنك تزويد الطائرات بالوقود أو دفع رواتب الجنود بعملة فقدت إيمان وائتمان العالم.

الانفجار الداخلي للمجتمع الأمريكي المسلح:

تبدء عندها نقطة الانفجار الداخلي، المجتمع الأمريكي مسلح بشكل كثيف. وبينما قد يتحمل الناس التضخم لفترة، فإن الانهيار المفاجئ وغير القابل للإصلاح يحول الإحباط إلى نزعة بقاء. سيُجبر الجيش، الذي تم تطهيره بالفعل من مفكريه الاستراتيجيين، على الاختيار بين الحفاظ على جبهة القتال في طهران أو منع الفوضى الشاملة في شوارع شيكاغو أو دالاس.

كش ملك استراتيجية

تبدء حينها كش ملك استراتيجية. بالنسبة للقيادة العسكرية، يعد انهيار الدولار الإشارة النهائية بأن الإمبراطور عارٍ تماماً. وهو يمنح القادة المتبقين المبرر القاطع للتوقف: لا يمكننا القتال لأننا لم نعد نملك ثمن القتال. في الجوهر، الحرب مع إيران هي الحمى، لكن انهيار الدولار هو فشل الأعضاء.

الإدراك المتأخر يعني أنه بحلول الوقت الذي يرفع فيه الجنرالات رؤوسهم من عمليات التطهير الداخلية، سيجدون أن الهندسة المالية العالمية التي دعمت هيمنتهم لمدة 80 عاماً قد تم تفكيكها بالفعل بواسطة البراغماتية الصينية والروسية التي وصفتها أنت.

لن تنتهي الإمبراطورية باستسلام مهيب على متن بارجة حربية؛ بل ستنتهي على الأرجح بـ إخطار هادئ من بنك مركزي، يليه وضع كل ولاية لنفسها للنجاة.

عقدة شمشون الجيوسياسية:
عندما تشعر واشنطن أن كبرياءها الجريح يمنعها من قبول التنازل أمام طهران، قد تلجأ لتوسيع رقعة الاستهداف لتشمل حلفاء إيران بشكل مباشر، أو حتى توجيه ضربات استباقية لمصالح صينية وروسية تحت ذرائع تقنية أو أمنية. أو فتح حرب جديدة مع دولة أخرى، هذا الضرب العشوائي في كل اتجاه هو تعبير عن فقدان السيطرة أكثر منه تعبيراً عن القوة.

سيقود ذلك تلقائيا للاستنزاف الذاتي والاحتراق الداخلي. فالاستمرار في الحرب رغم تآكل المخزون (كما في حالة صواريخ توماهوك والدفاعات الجوية) هو انتحار استراتيجي.

واشنطن بذلك تستنزف رأسمالها العسكري الذي كانت تدخره لمواجهة الصين في المحيط الهادئ، مما يجعلها أضعف في كل الجبهات في آن واحد. وهنا تتحول الرسائل الصاروخية إلى فوضى شاملة.

إذا لم ينجح كل صاروخ رسالة في إخضاع طهران، فإن الإدارة الأمريكية المنهكة قد تندفع نحو خيارات غير تقليدية، وهي مخاطرة قد تشعل حريقاً إقليمياً لا تملك واشنطن القدرة اللوجستية على إطفائه، خصوصاً مع تفاقم التضخم في الداخل الأمريكي.

الإمبراطورية الأمريكية الآن تشبه الجريح المحاصر، تراجعها يعني اعترافاً بانتهاء عصر القطب الواحد، واستمرارها يعني نزيفاً يسرّع بانهيارها. هي تحاول الهروب للأمام عبر القوة، لكن الميدان الإيراني أثبت أن القوة الصرفة لا تترجم دائماً إلى نصر سياسي.

التهام ومعاقبة الحلفاء قبل الأعداء

الإمبراطوريات في لحظات ضعفها وتآكل هيبتها، غالباً ما تتحول إلى قوة باطشة لا تفرق بين العدو والصديق، بل قد يكون صبّ غضبها على الحلفاء المتخاذلين أشد وطأة من مواجهتها للأعداء التقليديين. وفقاً للمعطيات الراهنة في مايو 2026، يتجلى هذا الغضب الإمبراطوري تجاه الحلفاء في عدة نقاط محورية، منها:

عقيدة العقاب بدلاً من الحماية:

بدأت واشنطن بالفعل في ترجمة كبريائها الجريح إلى إجراءات عقابية ضد حلفاء الأمس الذين رفضوا الانخراط المباشر في حربها ضد إيران، وبدئت بالفعل بالانسحاب العسكري كأداة ضغط، حيث قام البنتاغون بسحب حوالي 5000 جندي من ألمانيا (14% من قوتها هناك) كـعقاب سياسي واضح لمواقف برلين المنتقدة لسياسات ترمب.

كما لوّحت الإدارة الأمريكية بسحب قواتها من إسبانيا وإيطاليا لعدم تقديمهم المساعدة المطلوبة في تأمين مضيق هرمز.

قامت واشنطن مؤخراً، بتشجيع الأرجنتين للاستيلاء على جزر الفوكلاند التابعة لشريكها وحليفها الاستراتيجي وعضو الناتو المملكة المتحدة. وهذه سابقة خطيرة تشجع فيها الولايات المتحدة دولة خارج الناتو لإحتلال آراضي تابعة للناتو. وهو إعلان نهاية حتمية لحلف الناتو.

إستعمال الحروب التجارية والتعريفات:

فرضت واشنطن زيادة هائلة في التعريفات الجمركية وصلت إلى 25% على دول أوروبية (مثل الدنمارك، فرنسا، وألمانيا) كنوع من الابتزاز السياسي والاقتصادي، متهمة إياهم بـعدم الوفاء بالالتزامات الدفاعية والتجارية.

ولاية يوتاه الأمريكية تقود التصدعات التكتونية في بنية النظام الأمريكي:

ما بدأ في ولاية يوتاه ليس مجرد قرار اقتصادي محلي، بل هو تمرد مالي صامت يمهد لسيناريو تفكك الولايات للنجاة، حيث يمثل نموذج يوتاه (Utah Model) القاطرة التي ستجر بقية الولايات خلفها. كانت يوتاه الرائدة في 2011 حين أقرت قانوناً . قانون العطاءات القانونية (Legal Tender Act) يعترف بـالذهب والفضة كعملة قانونية لسداد الديون والضرائب.

ما نراه في 2026 هو توسع هذا النموذج ليشمل أكثر من 42 ولاية تدرس أو أقرت قوانين مماثلة لإلغاء ضريبة المبيعات على المعادن الثمينة. الولايات بدأت بالفعل في بناء مظلة نجاة بعيداً عن الدولار الفيدرالي الورقي، تحسباً للحظة الانهيار المفاجئ.

ولاية تكساس:

سارت على خطى يوتاه ولكن بشكل أكثر جرأة عبر إنشاء مستودع تكساس للسبائك (Texas Bullion Depository). مستودعات الذهب السيادية.

هذا يعني أن الولاية سحبت ذهبها من قبضة الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك ووضعته تحت سيادتها المباشرة. تعد البنية التحتية لنظام مالي مدعوم بالذهب يمكن تفعيله فوراً إذا أعلنت واشنطن التخلف عن السداد أو صادرت أصول الغير.

العملات الرقمية المدعومة بالذهب

تطور الأمر في يوتاه وولايات أخرى ليشمل فكرة العملات الرقمية المدعومة بالذهب. هذا النظام يجمع بين تقنية البلوكشين وقيمة الذهب الحقيقية، مما يوفر للولايات بواسطة العملة الذهبية الرقمية، نظام دفع محلي مستقل عن شبكة سويفت أو الرقابة الفيدرالية. وقدرة على التجارة البينية (بين الولايات) حتى لو انهار الدولار العالمي نتيجة حرب استنزاف إيران.

المثير للدهشة هو أن هذه الولايات (مثل يوتاه وتكساس) بدأت تفكر بنفس عقلية دول بريكس؛ العودة إلى الأصول الملموسة كحماية من كبرياء الإمبراطورية الجريحة التي تطبع الأموال بلا غطاء لتمويل حروبها. وهذا يعمق الربط مع البراغماتية العالمية

يوتاه، تحولت لرأس الحربة في عملية إلغاء الدولرة الداخلية (Internal De-dollarization). عندما تبدأ الولايات في تسعير خدماتها وحفظ مدخراتها بالذهب، فإن العقد الفيدرالي يكون قد انتهى عملياً، وما يتبقى هو مجرد إجراءات طلاق سياسية قد تكون عنيفة.

حيدر المنصوري، خبير في الاتصالات والتكنولوجيا

حيدر المنصوري خبير في الاتصالات والتكنولوجيا، شغل منصبًا إداريًا في إحدى كبرى شركات الاتصالات في العراق، ويمتلك خبرة في إدارة العمليات وتطوير البنية الرقمية. يعمل حاليًا مستشارًا في القطاع، مقدمًا رؤى استراتيجية حول التحول الرقمي والأسواق. كما يهتم بالجغرافيا الجيو-استراتيجية وتأثيرها على القرارات السياسية، وله مقالات وبحوث في هذا المجال.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى