توظيف السياسة الأمريكية الرأسمالية النفعية التي يقودها ترامب لزيادة إستنزاف الولايات المتحدة.(4-4)
كما ذكرتُ في بحوث سابقة، الولايات المتحدة الأمريكية لا تريد الآن الوقوع في فخ ثوسيديدس (Thucydides’s Trap مع الصين لأن حرب إيران إستنزفتها، وكسرت أطرافها، وأظهرتها بموقف الضعف أمام قوة لا تكافئها بل أضعف منها، فكيف بها بمواجهة قوة عظمى كالصين.
الصين بصبرها الإستراتيجي وموقفها المتفرج، تركت الولايات المتحدة تستنزف مخزونات الصواريخ والذخيرة لديها في حربها ضد إيران. وهي اليوم تتفوق في القوة في آسيا بسبب سحب أغلب مخزونات الذخيرة لدى حلفاء الولايات المتحدة في آسيا، في كوريا واليابان.
وهذا أربك منظومة الردع الأمريكية لدى هؤلاء الحلفاء الآسيويين، وبدئوا بأنفسهم بالبحث عن بدائل لسد هذا الفراغ الهائل عسكريا وحتى إقتصادياً.
فكانت المرة الأولى التي تلجأ فيها اليابان لشراء النفط الخام من روسيا، بعد إغلاق مضيق هرمز الذي تعتمد عليه كل من كوريا واليابان كلياً في تأمين حاجاتهما من النفط الخام. اليابان التي تختلف مع روسيا حول جزر الكوريل الجنوبية الأربع المتنازع عليها مع روسيا منذ زمن طويل.
ولذلك فالولايات المتحدة اليوم تعلم أن المواجهة مع الصين -إن حدثت- ستكون نهاية تربعها على عرش القطب الواحد، وهي تستغل سعي الصين لتجنب سيناريو الصدام الذي ربما يدفع الطرفين بدون قصد للسير نحوه. من أجل ضمان بقائها متفرجة فيما تفعله بحلفائها.
في الجزء الأول من هذا البحث ذكرت أن الولايات المتحدة تستخدم سياسة الرأسمالية النفعية Utilitarian Capitalism والشراسة الجيوسياسية للحد من تراجع هيمنتها المطلقة.
وفي بحث آخر منشور على منصة strategicfile.com بعنوان: نهاية النيوليبرالية: من سراب فوكوياما الفوضوي إلى العقلية الرعوية للزعيم العقاري المرتحل حللتُ أن مجيئ الرئيس ترامب بعقليته كزعيم رعوي مرتحل وخبرته في تصفية الشركات المتعثرة جاء لتصفية التمدد الزائد الذي قامت به الإمبراطورية بدون أن يعود عليها بالنفع.
وفي هذا البحث سأتطرق إلى ما تقوم به الصين عبر إستخدام ادواتها الاقتصادية للتغلغل داخل الاقتصاد الأمريكي من خلال هذه السياسة نفسها، لزيادة إستنزاف الولايات المتحدة وهذا ما سيجنبها الوقوع في فخ ثوسيديدس Thucydides’s Trap. وضمان وراثة النظام العالمي بدون الصدام الحتمي المتوقع.
وهنا لابد من الإشارة إلى مصيدة أخرى تحاول الصين تجنبها ايضاً، ربما تقع فيها الدولتان دون قصد وهي مصيدة هوبز (Hobbesian Trap).
حسب مصيدة هوبز (Hobbesian Trap) التي تعرف في العلوم السياسية ونظرية الألعاب Game Theory بأنها حالة تندلع فيها حرب استباقية بين طرفين أو مجموعتين بسبب الخوف المتبادل من قيام الطرف الآخر بهجوم وشيك، رغم أن كلاً منهما يفضل التعايش السلمي.
وقد حدث ذلك مراراً في التاريخ، حيث تحدث هذه المصيدة إذا أحس أحد الأطراف بالضعف، وتفوق الآخر عليه، فيدفعه خوفه للمباغتة بالهجوم أولاً.
تستند هذه المصيدة إلى أفكار الفيلسوف الإنجليزي توماس هوبز1588 ـ 1679 حول حالة الطبيعة وغياب السلطة المركزية. وتتلخص أسبابها ونتائجها في النقاط التالية.
بسبب الخوف وانعدام الثقة حيث يخشى الطرفان (أ) و (ب) من نوايا بعضهما البعض. ويغلب منطق الهجوم الاستباقي لكي يحمي الطرف الظعيف (أ) نفسه، الذي قد يعتقد أن أفضل دفاع هو الهجوم الأول قبل أن يبادر الطرف (ب) بضربه.
وهنا تبدء الدوامة التصاعدية، حيث يقوم الطرف (ب) بالتفكير بالمنطق ذاته، مما يؤدي إلى صراع مدمر لا يريده أي منهما في الأساس، ولكنه ينشأ كآلية دفاعية بحتة.
جوهر الاستراتيجية المالية طويلة المدى للصين، كما ذكرتها في بحث سابق منشور حول لبنان وثالوث ثيوسيديدس Thucydides الشهير (الخوف والمصلحة والشرف) تسعى الصين لتجنب وقوع الإمبراطورية المهيمنة (أمريكا) في هذا الخطأ، حيث تسيء فهم التنافس الاقتصادي (المصلحة) وتعتبره تهديداً وجودياً (خوف)، فتقوم بتصرفات وحسابات خاطئة لحفظ هيبتها الدولية (الشرف)، مما يعجل باندلاع حرب مدمرة.
غيلبين كما حللها في كتابه War and Change in World Politics الذي إعتبر أن الشرف والمصلحة هما محركا الدول الصاعدة (الصين) للصعود إلى قمة الهرم في النظام الدولي، بينما الخوف هو محرك الدولة المهيمنة (أمريكا) العجوز.
الصين تسعى لتجنب سوء الفهم هذا ولذلك فهي تتحرك بحذر شديد لإعادة هيكلة ثرواتها السيادية. فالصين تسعى بالفعل منذ سنوات للتخلص تدريجياً من حيازتها الهائلة لسندات الخزانة الأمريكية (US Treasuries) وتحويل هذه الأموال إلى أصول عينية ملموسة (مثل المصانع، الشركات، السلع، والذهب) لتفادي مخاطر انخفاض قيمة الدولار وسلاح العقوبات الأمريكية.
تقوم الصين بتوظيف هذه الاستثمارات لتخليص أموالها من عبء الدولار ببطيء وحذر شديد، ومبرراتها للهروب من السندات الأمريكية هي الحماية من التضخم وإنهيار القوة الشرائية للنمو، حيث تواجه الولايات المتحدة تحديات مستمرة تتمثل في تضخم حجم الدين العام، مما يدفع الحكومة الفيدرالية في الولايات المتحدة إلى الإكثار من بيع السندات، وهذا يزيد التردد لدى المشترين و وتزداد المطالبة بعوائد أكبر عليها، مما يدفع مجلس الاحتياطي الفيدرالي لزيادة طباعة الدولار أو زيادة العوائد على الفوائد، مما يؤدي إلى تآكل القوة الشرائية الفعلية لهذه السندات بمرور الوقت.
سعي الصين لتحويل السندات (وهي ديون ورقية) إلى مصانع لإنتاج البطاريات والسيارات يحمي قيمة الأموال لأنها تصبح أصولاً إنتاجية تولد أرباحاً حقيقية.
كما أدركت الصين أن الدرع الأمني ضد التجميد (دروس حرب أوكرانيا) هو التقليل من احتفاظها بأموالها في صورة سندات خزانة أمريكية، لكي لا يجعلها هذا رهينة سياسية يمكن الولايات المتحدة من تجميدها بضغطة زر في حال اندلاع صراع حول تايوان.
وهذا ما إكتسبته من تجربة قيام أمريكا والغرب بتجميد حوالي 300 مليار دولار من الأصول الاحتياطية لروسيا فجأة عند إندلاع الحرب الأوكرانية.
كيف تخدم الصفقات مع ترامب هذه الاستراتيجية؟
بكين تطبق هنا نموذج المقايضة الذكية؛ فبدلاً من سحب الأموال بشكل عدائي قد يفجر أزمة مالية عالمية، تستغل الصين رغبة ترامب في إبراز أرقام صفقات قياسية عبر تحويل الديون إلى وظائف داخل الاقتصاد الأمريكي ولو ظاهريا فهذا ما يهم ترامب في الأساس.
فالصين تقول لترامب: بدلاً من أن نُقرضك أموالاً عبر السندات بفوائد، وهذا جوهر السندات الأمريكية. سنأخذ جزءاً من هذه الأموال ونبني بها مصانع لإنتاج السيارات والبطاريات داخل الولايات المتحدة لتوظيف الناخبين الأمريكيين.
كما تستخدمها في شراء السلع الاستراتيجية الاستباقية عبر عقود الشراء الفلكية الحالية (مثل شراء 500 طائرة بوينغ وملايين الأطنان من فول الصويا والغاز المسال) يتم تمويلها مباشرة من الفوائض والأموال التي كانت تتجه تاريخياً لشراء سندات أمريكية جديدة.
لماذا لا تستطيع الصين سحب كل أموالها فجأة؟ رغم رغبتها في التخلص من عبء سقوط الدولار؟
هذه المعضلة الكبرى التي تواجه الصين فيها قيوداً تقنية ومالية معقدة تمنعها من تسييل سنداتها بالكامل وبسرعة.
فقد خفضت الصين حيازتها من السندات الأمريكية من ذروتها (أكثر من 1.3 تريليون دولار) لتصل اليوم إلى مستويات تدور حول 700 إلى 750 مليار دولار.
ورغم هذا الانخفاض الكبير، لا يوجد أي سوق مالي آخر في العالم (سواء اليورو أو الين أو الذهب) يمتلك العمق والسيولة الكافية لاستيعاب مئات المليارات الصينية سوى السوق الأمريكي. فأمريكا تمثل حجم السيولة الأكبر في العالم.
والصين كذلك تتجنب فخ تدمير الذات: إذا قامت الصين ببيع سنداتها بشكل مفاجئ وضخم في الأسواق، ستنخفض قيمة السندات بحدة وتنهار أسعارها، مما يعني أن الصين ستخسر مئات المليارات من قيمة أموالها المتبقية بنفسها.
كما أن انهيار الدولار سيضرب القوة الشرائية للمستهلك الأمريكي، وهو المشتري الأول للبضائع الصينية، مما يؤدي لركود المصانع داخل الصين.
الصفقة الاستثمارية المقترحة حالياً في بكين توفر للصين غطاءً سياسياً ممتازاً ومبرراً شرعياً أمام ترامب لمواصلة سياستها في تفكيك حيازاتها من السندات الأمريكية.
الصين لا تسحب أموالها لتدمر النظام المالي، بل تقوم بالتسلل الهادئ والمنظم للخروج من فخ السندات الورقية، متحولة إلى الاستثمار المباشر وشراء الأصول الحقيقية التي تضمن لها النفوذ الاقتصادي والتحصن ضد أي تقلبات مستقبلية للدولار.
وهنا يظهر تحويل الاستثمار إلى سلاح جيوسياسي: فقد يبدو ضخ الصين لمئات المليارات من الدولارات في قلب الاقتصاد الأمريكي كأنه خدمة لإدارة دونالد ترامب، لكن من منظور الاستراتيجية الكبرى والجيوسياسية الاقتصادية، يمكن لهذا التحرك أن يتحول إلى حصان طروادة يضعف الولايات المتحدة على المدى الطويل ويقوي الصين، تطبيقاً للمثل القائل: أبقِ أصدقاءك قريبين، وأعداءك أقرب.
صناعة التبعية التكنولوجية (الهيمنة على سلاسل الإمداد) فخ التصنيع الظاهري:
عندما تبني الصين مصانع للبطاريات أو السيارات الكهربائية في أمريكا، فإن الوظائف المباشرة (مثل التجميع واللحام) تكون أمريكية، لكن التكنولوجيا الحساسة، وبراءات الاختراع، ومراكز الأبحاث والتطوير تظل في بكين.
وهذا يعطي الصين القدرة على التحكم في المدخلات الحرجة، فالمصانع الأمريكية لا تستطيع العمل دون استيراد المكونات الدقيقة والمعادن النادرة المعالجة من الصين (مثل الليثيوم المكرر والغرافيت).
هذا يعني أن أمريكا تصبح مستهلكاً ومجمعاً للتكنولوجيا الصينية على أرضها، بدلاً من تطوير بدائل أمريكية محلية مستقلة.
خلق لوبي اقتصادي وسياسي داخل أمريكا (سلاح الضغط الداخلي)
عندما تفتتح شركة صينية مصنعاً ضخماً في ولاية أمريكية (مثل ميشيغان أو أوهايو) وتوظف الآلاف، يصبح حاكم هذه الولاية، ونوابها في الكونغرس، وعمداء مدنها، مدافعين شرعيين عن المصالح الصينية.
فإذا حاولت واشنطن مستقبلاً فرض عقوبات على بكين أو حماية تايوان عسكرياً، سيمارس هؤلاء السياسيون الأمريكيون ضغوطاً هائلة على البيت الأبيض لمنع التصعيد، خوفاً من قيام الصين بإغلاق مصانعها في دوائرهم الانتخابية وتشريد آلاف العمال الأمريكيين. بكين هنا تشتري نفوذاً سياسياً داخلياً بالمال.
سلب القيمة المضافة الحقيقية وتحويل الأرباح:
استنزاف السيولة وتجفيف الابتكار عبر الاستثمار المباشر يعني أن الأرباح الصافية الناتجة عن السوق الاستهلاكي الأمريكي الضخم لن تبقى في أمريكا، بل ستُعاد صياغتها وتحويلها إلى خزائن الشركات الأم في بكين لتمويل أبحاث الذكاء الاصطناعي والرقائق الأكثر تقدماً داخل الصين.
التحول من دائن ورقي إلى مالك حقيقي على جدول الأعمال الصينية، فبدلاً من احتفاظ الصين بسندات خزانة أمريكية (ديون ورقية تفقد قيمتها مع التضخم وسقوط الدولار)، تتحول إلى مالك لأصول عقارية، وإنتاجية، وبنية تحتية ملموسة داخل أمريكا، وهي أصول ترتفع قيمتها مع التضخم وتمنح الصين عوائد حقيقية.
وهذا تطبيق لاستراتيجية أبقِ عدوك أقرب (الرقابة الجيوسياسية) فوجود الشركات الصينية داخل العمق الأمريكي يتيح لها فهم آليات السوق، والثقافة العمالية، والثغرات القانونية الأمريكية عن قرب، مما يسهل عمليات الهندسة العكسية واقتناص الكفاءات البشرية الأمريكية.
وكذلك تحييد ضربات ترامب الجمركية، فهذا التواجد يفرغ سلاح ترامب المفضل (التعريفات الجمركية) من محتواه، فالمنتجات الصينية المصنعة داخل أمريكا تحمل شعار صنع في أمريكا، وبالتالي تفلت من الجمارك، مما يحافظ على تنافسية الشركات الصينية وهيمنتها السوقية العالمية.
النتيجة الاستراتيجية هي أن سياسة التوطين التي يقوم بها ترامب تجعل أمريكا تابعاً لا متبوع. من خلال هذه الديناميكية، تضمن الصين التشابك العضوي المعقد مع الاقتصاد الأمريكي، بحيث يصبح أي قرار أمريكي بفصل الاقتصادين (Decoupling) بمثابة بتر لأطراف أمريكا نفسها.
الصين لا تحاول تدمير أمريكا من الخارج، بل تجعل الاقتصاد الأمريكي مكبلاً ومعتمداً على الأوكسجين التكنولوجي والمالي الصيني لدرجة تمنع واشنطن من خوض أي صراع عسكري أو سياسي حقيقي ضدها في المستقبل.
ولذلك يخوض صقور الأمن القومي في الكونغرس الأمريكي معركة تشريعية شرسة ضد إدارة ترامب وبكين لمنع تحول الاستثمارات الصينية إلى حصان طروادة.
وفي ذات الوقت، تدرس واشنطن بعناية كيف وظفت بكين هذا النموذج بنجاح تام في ألمانيا والاتحاد الأوروبي لتحييد قراراتهما السياسية.
يتحرك الصقور من الحزبين (الجمهوري والديمقراطي) عبر لجنة الحزب الشيوعي الصيني في الكونغرس واللجان الأمنية لفرض حظر تشريعي صارم عبر المسارات التالية:
توسيع صلاحيات لجنة سيفيدوس (CFIUS) حيث يجرى دفع تشريعات لتوسيع نطاق تدقيق لجنة الاستثمار الأجنبي في الولايات المتحدة لتشمل ليس فقط قطاع التكنولوجيا الفائقة، بل وأيضاً الأراضي الزراعية القريبة من القواعد العسكرية، ومصانع البطاريات والسيارات التقليدية لمنع الاختراق الجغرافي.
وكذلك يتم تشريع منع التبعية لسلاسل الإمداد التي يسعى النواب من خلالها لفرض شروط تمنع الشركات الصينية المستثمرة في أمريكا من استيراد المكونات الحيوية من الصين. ويُلزم التشريع المقترح هذه المصانع بالاعتماد على مسبوكات ومواد خام أمريكية بنسبة 100%، مما يفقد الصين ميزة التحكم في المدخلات الحرجية.
يحاول الصقور سد الثغرات القانونية عبر حظر الدعم الحكومي (قانون التضخم الفيدرالي)، لمنع الشركات الصينية التي تبني مصانع في أمريكا من الاستفادة من الإعفاءات الضريبية أو الدعم المالي الفيدرالي المخصص للطاقة النظيفة، معتبرين أن أموال دافعي الضرائب الأمريكيين لا يجب أن تذهب لشركات مرتبطة ببكين.
تشريعات الشفافية ومكافحة التجسس الصناعي:
حيث يتم حاليا تشريع قوانين تلزم أي شركة صينية تفوق حصتها 10% في أي مصنع أمريكي بالإفصاح الكامل عن خلفيات أعضاء مجلس إدارتها وعلاقتهم بالحزب الشيوعي الصيني، مع إخضاع شبكاتها السيبرانية لرقابة دورية من وكالة الأمن القومي (NSA).
نجاح النموذج الصيني في ألمانيا والاتحاد الأوروبي خلق تبعية مطلقة للصين في الإتحاد الأوروبي، الذي يمثل، وتحديداً الألماني، كتيب الإرشادات الذي استوحت منه بكين استراتيجيتها الحالية مع ترامب، عندما نجحت الصين في تحييد القوة السياسية لأوروبا عبر ثلاثة محاور رئيسية:
احتواء قطاع السيارات الألماني (صناعة اللوبي)
عبر التشابك العضوي الذي ضخت فيه الصين استثمارات هائلة واستحوذت على حصص كبرى في عمالقة السيارات الألمانية وكذلك السويدية (مثل استحواذ شركة جيلي الصينية على حصص مؤثرة في مرسيدس-بنز وشركة فولفو السويدية). وفي المقابل، أصبحت السوق الصينية تشكل أكثر من 30% من أرباح شركات مثل فولكس فاجن وبي إم دبليو وفولفو.
عندما حاول الاتحاد الأوروبي فرض عقوبات صلبة على الصين أو اتخاذ مواقف حادة بشأن تايوان، ضغطت كبرى الشركات الألمانية على الحكومة في برلين لمنع التصعيد، خوفاً من انتقام بكين الذي قد يدمر صناعة السيارات الألمانية. وهنا نجحت بكين في جعل ألمانيا المكبح الدائم لأي سياسة أوروبية متشددة ضدها.
السيطرة على البنية التحتية والموانئ الاستراتيجية:
نجحت شركة كوسكو (COSCO) الصينية للشحن والمملوكة للدولة في التحول إلى حصان طروادة في الموانئ عبر شراء حصة استراتيجية في محطة حاويات بميناء هامبورغ الألماني (أكبر موانئ ألمانيا). بالإضافة إلى سيطرتها الكاملة على ميناء بيريوس في اليونان وموانئ أخرى في بلجيكا وإيطاليا.
تحولت هذه الموانئ إلى نقاط ارتكاز تجارية وجيوسياسية صينية داخل العمق الأوروبي، مما منح بكين نفوذاً مكّن دولاً أوروبية صغيرة (مثل اليونان والمجر) من استخدام حق الفيتو داخل الاتحاد الأوروبي لمنع صدور بيانات تدين سجل حقوق الإنسان في الصين أو سياساتها في بحر الصين الجنوبي.
احتكار قطاع الطاقة المتجددة (أوروبا تحت رحمة بكين)
أغرقت الصين الأسواق الأوروبية بالألواح الشمسية وتكنولوجيا طاقة الرياح بأسعار رخيصة جداً مدعومة حكومياً، مما أدى لإفلاس الشركات الأوروبية المحلية.
وأصبحت أوروبا اليوم تعتمد بنسبة تفوق 80% على الصين للمضي قدماً في خطتها للتحول الأخضر. هذا الاعتماد جعل القادة الأوروبيين يدركون أن أي انفصال اقتصادي عن الصين سيعني انهيار خطط طاقتهم المستدامة فوراً.
تدرك واشنطن اليوم، من خلال مراقبة المشهد الأوروبي، أن الأموال الصينية لا تأتي مجردة من الأهداف؛ فما بدأ كاستثمارات اقتصادية بريئة وفرص عمل في ألمانيا واليونان، انتهى بامتلاك بكين لـحق فيتو غير رسمي على السياسة الخارجية الأوروبية.
هذا السيناريو تحديداً هو ما يخشاه صقور الكونغرس، ويحاولون منعه بكل قوتهم لمنع ترامب من الوقوع في ذات الفخ الألماني. ولكن الخيار الآخر الذي أمامهم هو تراجع الاقتصاد الأمريكي.
وهذا يعزز فرضية فخ ثوسيديدس Thucydides Trap الذي يعني إما الصدام أو التنازل طواعية عن منصب القطب الواحد لتشكيل نظام متعدد الأقطاب.
لابد من التأكيد هنا أن الحرب البيلونيزية التي حدثت بين القوة الصاعدة التي كانت أثينا في ذلك الوقت مقابل إسبارطة وقد كانت القوة المهيمنة إقليميا على الجزر اليونانية، لكنها لم تكن الإمبراطورية المهيمنة عالمياً في ذلك الوقت.
فقد كانت الإمبراطورية المهيمنة هي الإمبراطورية الفارسية الإخمينية (الهخامنشية). وعليه فالصراع كان بين قوتين إقليميتين شبه متقاربتان في القوة، وتتصارعان لتتخلصان من أحداهما للأخرى.
وكانت الإمبراطورية الفارسية تتابع صراع هاتين القوتين بدون التدخل، لأنها كانت تعلم أن أحدهما كان سيدمر الآخر، أو يهلك كلاهما بسبب هذا الإستنزاف.
ولم تتدخل بشكل مباشر وفعّال، إلا في المرحلة الأخيرة من الحرب (حرب ديكيلين/الإيونية)؛ حيث قدمت فارس تمويلاً مالياً ضخماً لاسبارطة لبناء أسطول بحري قوي لمواجهة أثينا، وكان ذلك عبر معاهدات رسمية (مثل معاهدة مِليتُس 412 ق.م) بين الملك الفارسي داريوش الثاني والقيادة الاسبارطية.
وهذا ما تعول عليه الصين في ترك الدول الأخرى تتصارع وتضعف بعضها البعض بينما تقف الصين متفرجة. حسب المثل الصيني: الجلوس على قمة الجبل ومراقبة النمرين يتصارعان.
وقد حللت ذلك في بحث سابق منشور على منصة Strategicfile.com في إستعمال إيران ككسارة بندق لتقليم هيمنة الولايات المتحدة.
الانتقام الصيني المتناسب والموجه:
إذا نجح صقور الكونغرس الأمريكي في تمرير قوانين تقيد الاستثمارات الصينية وتفريغ صفقة ترامب من محتواها، فإن الرد الصيني المتوقع لن يكون عشوائياً، بل سيعتمد على استراتيجية الانتقام المتناسب والموجه لإيذاء قطاعات أمريكية حساسة والضغط على ترامب داخلياً. حيث تمتلك بكين ترسانة من أوراق الرد الجاهزة للتنفيذ، وتتلخص في المسارات التالية:
تفعيل قانون العقوبات المناهضة للأجنبي وقائمة الكيانات غير الموثوقة. وهذا يعني استهداف الشركات الأمريكية مباشرة. تمتلك الصين قانوناً محلياً أقرته خصيصاً للرد على العقوبات. إذا عرقل الكونغرس صفقاتها، فستقوم بكين بإدراج شركات أمريكية كبرى (مثل لوكهيد مارتن، وريثيون، أو حتى شركات تكنولوجية) على قائمة الكيانات غير الموثوقة. سيترتب على ذلك منع هذه الشركات من العمل داخل الصين، أو مصادرة أصولها، أو منع تزويدها بالمواد الخام والمعادن النادرة، وهو أهم الأسلحة حاليا في جعبة بكين.
التجميد الفوري لعقود الشراء الضخمة (سلاح بوينغ والمزارعين)
الرد الفوري والأسهل لبكين سيكون تعليق أو إلغاء المفاوضات الجارية لشراء الـ 500 طائرة من شركة بوينغ، وتحويل هذه الطلبيات الضخمة إلى منافستها الأوروبية إيرباص، مما سيشكل ضربة قاصمة لأسهم بوينغ والاقتصاد الأمريكي.
كما ستوقف الصين فجأة مشترياتها من الغاز المسال والمنتجات الزراعية من الولايات المتأرجحة. هذا التوقف سيخلق أزمة تضخمية لدى مزارعي أمريكا، مما يضع ضغطاً سياسياً هائلاً على ترامب من قِبل قاعدته الانتخابية.
خنق التكنولوجيا الغربية عبر حظر تصدير المعادن النادرة، سيسبب شلل الدفاع والتكنولوجيا العسكرية حيث تسيطر الصين على سوق معالجة عناصر مثل الغاليوم، الجرمانيوم، والأنتيمون.
الرد الصيني سيتضمن تشديد القيود على تصدير هذه المعادن إلى الولايات المتحدة، وهي مواد لا يمكن لصناعة الرقائق المتقدمة، أو شاشات الرادار، أو الصواريخ الأمريكية العمل بدونها. هذا الإجراء سيعطل مصانع التكنولوجيا والدفاع الأمريكية كلياً.
تسريع الهروب الكبير من الدولار والسندات عبر تسييل السندات المتبقية رداً على قيود الكونغرس، ستسرع بكين وتيرة بيع ما تبقى لديها من سندات الخزانة الأمريكية (التي تقدر بنحو 700 مليار دولار) بشكل أكثر حدة وضخامة في الأسواق.
إضافة إلى عسكرة اليوان والذهب، حيث ستوجه هذه الأموال فوراً لشراء أطنان إضافية من الذهب، ودعم التعامل بالعملات المحلية (اليوان والروبل والعملات الآسيوية) عبر نظام بريكس، لتسريع إضعاف الهيمنة العالمية للدولار الأمريكي كعقاب طويل الأمد لواشنطن.
تصعيد الضغط العسكري حول تايوان (الرد الجيوسياسي) إذا شعرت بكين أن أمريكا لا تلتزم بالصفقات التجارية، فسترسل رسالة مفادها أن ثمن حماية تايوان سيكون باهظاً جداً.
ستزيد الصين من وتيرة مناوراتها العسكرية الشاملة واختراقاتها الجوية والبرمائية حول مضيق تايوان، لإثبات أن الرد على خنق الصين اقتصادياً سيكون زعزعة الاستقرار الأمني والعسكري في المحيط الهادئ.
بكين توضح دائماً للبيت الأبيض أن الكونغرس يضر بأمريكا أولاً. ولذلك ستعمد الصين إلى جعل تكلفة القوانين المقيدة مريرة اقتصادياً وسياسياً على إدارة ترامب لتدفع الرئيس الأمريكي إلى استخدام نفوذه، أو حتى حق الفيتو الرئاسي، لتعطيل تشريعات الكونغرس حفاظاً على صفقته التاريخية.
كل ما ذكرته يدل بشكل واضح أن واشنطن خسرت عرشها الإمبراطوري على الصعيد الاقتصادي، ولم يبقى لها إلا الإنتقال لمرحلة المشاغبة والقرصنة وسلوك الإمبراطوريات الجريحة التي تضرب في كل إتجاه، وهذا يعزز أن الصدام في فرضية ثوسيديدس لن يكون سلمياً.
وقد ذكرت بشكل تفصيلي في بحوث سابقة معالجة سلوك الإمبراطوريات الجريحة وكيفية تجنب غضبها.
الجزء الثاني: فخ الصين الكبرى: كيف خسرت تايوان معركة الصين الواحدة؟ (4-3)
الجزء الثالث: الدرع السيليكوني التايواني (Silicon Shield) كيف تحمي تايوان إستقلالها. (3-4)
الجزء الرابع: أسلحة الصين الاقتصادية لتوظيف سياسة الرأسمالية النفعية التي يقودها ترامب لزيادة إستنزاف الولايات المتحدة بدون الوقوع في فخ ثوسيديدس Thucydides’s Trap. (4-4)




