الاحدثالشرق الاوسط

السودان بين الأفريقانية، وأفرابيا المزروعي، وسودانوية جعفر ميرغني | بقلم السفير رشاد فراج الطيب

لم يكن سؤال الهوية في أفريقيا سؤالاً ثقافياً مجرداً، بل كان منذ بدايات العصر الحديث سؤالاً سياسياً وحضارياً عميقاً ارتبط بتاريخ الاستعمار والاسترقاق والهيمنة الغربية، وما خلفته من تشويه لصورة الإنسان الأفريقي ومحاولة اقتلاعه من ذاكرته الحضارية .

ولهذا ظهرت الدعوات الفكرية التي سعت إلى إعادة الاعتبار لأفريقيا، والدفاع عن كرامة شعوبها، وبناء وعي جديد بالذات الأفريقية في مواجهة المركزية الأوروبية التي صورت القارة طويلاً باعتبارها هامشاً للتاريخ والحضارة .

ومن هنا نشأت “الأفريقانية” أو “البان-أفريكانية”، بوصفها واحدة من أهم الحركات الفكرية والسياسية في القرن العشرين، حيث دعت إلى وحدة الشعوب الأفريقية والسوداء في العالم، وإلى مقاومة الاستعمار والعنصرية، وإحياء الثقافات الأفريقية وإعادة كتابة التاريخ من منظور أفريقي .

وقد بدأت الأفريقانية الحديثة بين مثقفي الشتات الأفريقي في الأمريكتين والكاريبي أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، قبل أن تنتقل لاحقاً إلى القارة الأفريقية نفسها مع حركات التحرر الوطني .

وكان من أبرز روادها المفكر الأمريكي الأفريقي ويليام إدوارد بورغهارت دو بوا، الذي دعا إلى التضامن العالمي بين الشعوب السوداء، وكذلك الزعيم الجامايكي ماركوس غارفي الذي رفع شعار “العودة إلى أفريقيا” وربط التحرر السياسي بالنهضة الاقتصادية والثقافية للسود .

ثم تطورت الأفريقانية لاحقاً على يد قادة الاستقلال الأفريقي مثل كوامي نكروما في غانا، وجوليوس نيريري في تنزانيا، حيث تحولت من مجرد فكرة ثقافية إلى مشروع سياسي يدعو إلى وحدة أفريقيا وتحررها الكامل من التبعية الاقتصادية والسياسية للغرب .

كما أسهم مفكرون كبار مثل فرانتز فانون وشيخ أنتا ديوب في تعميق البعد الفلسفي والنقدي للأفريقانية، خاصة في قضايا الاستعمار الثقافي وإعادة الاعتبار للتاريخ والحضارة الأفريقية .

غير أن الأفريقانية لم تكن تياراً واحداً متجانساً، بل تعددت اتجاهاتها بين نزعات ثقافية وروحية، وأخرى سياسية وثورية، وبعضها اتخذ مواقف متشددة تجاه التأثيرات العربية أو الإسلامية أو الغربية في أفريقيا، باعتبارها امتدادات لهيمنة خارجية على الشخصية الأفريقية .

وفي السودان، أخذ سؤال الهوية منحى أكثر تعقيداً، بحكم الموقع الجغرافي والتاريخي للسودان بوصفه منطقة تماس بين المجالين العربي والأفريقي .

ولذلك لم تظهر الأفريقانية السودانية غالباً كدعوة قطيعة مع العروبة، بل كمحاولة لإعادة تعريف الشخصية السودانية باعتبارها نتاجاً لتفاعل حضاري وثقافي طويل بين العنصرين العربي والأفريقي .

وقد برز هذا الاتجاه بصورة خاصة في ستينيات القرن الماضي عبر ما عُرف بمدرسة “الغابة والصحراء”، التي ضمت عدداً من الشعراء والمفكرين السودانيين مثل النور عثمان أبكر، ومحمد عبد الحي، ومحمد المكي إبراهيم، وصلاح أحمد إبراهيم، ويوسف عيدابي، السفير الهادي الصديق .

وكانت هذه المدرسة محاولة فكرية وأدبية للإجابة على سؤال : من نحن ؟ هل نحن عرب أم أفارقة ؟ أم أننا تركيب حضاري يجمع الاثنين معاً ؟

وقد رمزت المدرسة إلى العنصر الأفريقي بـ “الغابة”، وإلى العنصر العربي بـ “الصحراء”، معتبرة أن الهوية السودانية لا يمكن اختزالها في بعد واحد .

ولهذا جاءت كتاباتهم الشعرية والأدبية مشبعة بمحاولات استعادة التراث السوداني المحلي وربطه بالعروبة والإسلام في آن واحد .

وتجسد ذلك بوضوح في أعمال محمد عبد الحي، خاصة في قصيدته الشهيرة “العودة إلى سنار”، التي استدعت سنار بوصفها رمزاً للتلاقح الحضاري بين أفريقيا والعروبة والإسلام في التجربة السودانية .

وفي مقابل هذا الاتجاه الثقافي التوفيقي، ظهرت لاحقاً اتجاهات سياسية أكثر اقتراباً من الأفريقانية السياسية، خاصة في خطاب جون قرنق وفرانسيس دينق ومشروعهم الموسوم ب”السودان الجديد”، الذي انتقد هيمنة المركز العربي الإسلامي على الدولة السودانية، ودعا إلى بناء دولة تقوم على المواطنة والتعدد الثقافي والعرقي والديني .

وهكذا أصبح سؤال الهوية في السودان جزءاً من الصراع السياسي نفسه، لا مجرد نقاش ثقافي أو أدبي .

وفي خضم هذا الجدل الفكري حول العروبة والأفريقية، جاء المفكر الكيني علي المزروعي ليطرح رؤيته الشهيرة المعروفة باسم “أفرابيا” أو “الأفرابية”، وهي محاولة لإعادة تعريف العلاقة بين أفريقيا والعالم العربي بصورة أكثر تركيباً وعمقاً .

وقد صاغ المزروعي مصطلح “أفرابيا” من دمج كلمتي أفريقيا والعروبة، ليعبر عن الفضاء الحضاري المشترك الذي تشكل عبر قرون طويلة بين العرب والأفارقة، خاصة في شمال أفريقيا والقرن الأفريقي والسودان وشرق أفريقيا .

وكان يرى أن تصوير العروبة والأفريقانية باعتبارهما هويتين متناقضتين هو تبسيط مخلّ بالتاريخ الأفريقي، لأن الإسلام واللغة العربية والتفاعل التجاري والثقافي العربي أصبحت كلها مكونات أصيلة في أجزاء واسعة من أفريقيا.

ولذلك لم يكن المزروعي رافضاً للأفريقانية، بل كان يسعى إلى توسيعها وتحريرها من النزعات الاختزالية التي تنكر المكون العربي الإسلامي في أفريقيا .

وقد عبّر عن ذلك في نظريته الشهيرة حول “التراث الثلاثي” لأفريقيا، حيث رأى أن الشخصية الأفريقية الحديثة تشكلت من تفاعل ثلاثة روافد كبرى : التراث الأفريقي المحلي، والتراث الإسلامي العربي، والتراث الغربي الأوروبي .

ومن هنا بدت أفكار المزروعي قريبة في بعض جوانبها من أطروحات مدرسة الغابة والصحراء السودانية، فكلاهما حاول تجاوز الثنائية الحادة بين العروبة والأفريقية، والبحث عن صيغة حضارية تستوعب التعدد والتداخل التاريخي والثقافي .

وفي السياق السوداني المعاصر، برزت كذلك بعض الرؤى الفكرية التي حاولت تجاوز الاستقطاب التقليدي بين دعاة العروبة الخالصة ودعاة الأفريقانية الصدامية، عبر التركيز على خصوصية السودان الحضارية ذاتها، بوصفه فضاءً تاريخياً مستقلاً له تراكمه الثقافي والحضاري العميق .

ومن بين هذه الاتجاهات ما يطرحه البروفيسور جعفر ميرغني، الذي يدعو إلى إعادة قراءة التاريخ السوداني باعتباره تاريخاً لحضارة أصيلة ومتواصلة، تمتد من الممالك النوبية والكوشية إلى الممالك الإسلامية السودانية، دون اختزال السودان في مجرد امتداد تابع لمراكز حضارية خارجية، عربية كانت أو أفريقية أو غربية .

وفي هذا المعنى، تبدو هذه الرؤية الجعفرية محاولة للبحث عن “السودانوية الحضارية” بوصفها إطاراً يتجاوز الانقسام الحاد بين العروبة والأفريقية، وينظر إلى السودان باعتباره كياناً حضارياً مركباً ومتفاعلاً مع محيطه، لكنه يحتفظ في الوقت نفسه بخصوصيته التاريخية والثقافية المستقلة .

كما أنه كان يتحدث عن أفريقية العروبة وأن غالب العرب هم أفارقة بالحضور وبالجغرافيا، وأن العرب مكون أصيل في أفريقيا وليس دخيلا أو طارئا عليها.

ولعل الأزمة التي ظلت تواجه هذه المشاريع الفكرية جميعاً هي أن سؤال الهوية في أفريقيا لم يكن منفصلاً عن السياسة والصراع على السلطة والثروة والثقافة.

ولذلك كثيراً ما تحولت النقاشات الفكرية حول الهوية إلى استقطابات حادة بين دعاة الانتماء العربي ودعاة الانتماء الأفريقي، بدلاً من أن تتحول إلى مشروع حضاري جامع يستوعب تعقيد التجربة التاريخية الأفريقية نفسها .

ومع ذلك، تبقى الأفريقانية، والأفريقانية السودانية، وأفرابيا المزروعي، ومحاولات التأصيل الحضاري السوداني المعاصر، كلها اجتهادات فكرية مهمة لفهم الذات الأفريقية والسودانية وإعادة بناء علاقتها بتاريخها وموقعها في العالم .

وهي تعكس في جوهرها بحث أفريقيا المستمر عن تعريف نفسها بعيداً عن الصور التي فرضها الاستعمار أو الصراعات الأيديولوجية الضيقة، وصولاً إلى هوية أكثر اتساعاً وقدرة على استيعاب التنوع التاريخي والثقافي للقارة وللسودان معاً .

السفير رشاد فراج الطيب السراج

السفير رشاد فراج الطيب السراج. دبلوماسي. وباحث مهتم بالشؤون الدولية والتحولات الجيوسياسية في الشرق الأوسط وأفريقيا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى