الاحدثالشرق الاوسط

جمال عبد الناصر: التاريخ في خدمة الأيدولوجيا، سؤال يطرحه ويجيب عليه الكاتب السياسي مجدي منصور: هل جمال عبد الناصر صناعة إعلامية؟

في العادة عندما يدور الحديث عن الزعيم “جمال عبد الناصر” فإنني «أرد» نفسي بنفسي عن «الكتابة» في الموضوع لسبب رئيسي وهو: أن للتاريخ مفهومين: المفهوم التقليدي الذي يرى في التاريخ قصة الأحداث الكبرى كالحروب والثورات وسيرة العظماء والأبطال من قادة وفاتحين.

والمفهوم العلمي الذي يرى في التاريخ سجل التطور الثقافي والسياسي والاقتصادي للمجتمعات الإنسانية.

المفهوم التقليدي يركز على الحدث أو البطل على أساس أن التاريخ لا يكشف عن معنى حركته وهدفه إلا من خلال الأحداث الاستثنائية والأشخاص الاستثنائيين.

على العكس من ذلك، فالمفهوم العلمي لا يرى في أي حدث أو شخص معني مستقلاً بذاته. ولهذا فإن فهم أي ظاهرة لا يتم إلا عبر فهم كيف نشأت وتطورت حتى وصلت إلى وضعها الراهن.

وعلى الرغم من أننى انتمى للمفهوم العلمي للتاريخ، إلا أننى مع جمال عبد الناصر أجدنى أقرب في تناوله طبقاً للمفهوم التقليدي!، وذلك أجده في مقالاتي الثلاثة التي كسرت فيها الحاجز الذي أقمته حول قلمي فيما يتعلق بجمال عبد الناصر – المقال الأول كان بعنوان: كيف تصرف عبد الناصر مع قرارات زكريا محيي الدين الاقتصادية؟

والمقال الثاني كان بعنوان: جمال عبد الناصر.. عندما انتصر بروتوكول الصعيد على بروتوكول أوروبا!

والمقال الثالث كان بعنوان: لماذا لا يموت عبد الناصر في مُخيلة المصريين؟

وها أنا أجد نفسي مضطراً للخروج مرة رابعة عن الحاجز الذي أقمته حول قلمي فيما يتعلق بجمال عبد الناصر، وذلك ايضاحاً واعتذاراً أسوقه للقارئ الكريم راجياً ومتضرعاً أن يقبله.

السيسي وإعلام عبد الناصر!

نشر مدى مصر تقريراً منذ فترة بعنوان: عن الرئيس و«إعلامه».. ما جرى خلال 10 سنوات. ومن أهم ما فيه:

أنه مُنذ مجيء الرئيس السيسي في (2014) لطالما كرر بصياغات متقاربة جداً أنه لم يحسد الرئيس الراحل جمال عبد الناصر على شيء إلا على إعلامه. وبحسب تقدير السيسي، فإن إعلام عبد الناصر كان الضامن لاصطفاف المصريين خلف الزعيم الراحل رغم هزيمة 1967 المروعة.

  • وكثيراً ما كان السيسي يردد عبارات مثل «يا بخت عبد الناصر بإعلامه، أو أنا عايز إعلام عبد الناصر»، حسب وزير سابق عمل خلال السنوات الأولى من حكم الرئيس، «كان اعتقاده أن مثل هذا الاصطفاف الذي يمكن أن يحققه الإعلام يقدر أن يساعده على تحقيق إنجازات استثنائية تحقق نقلة كبيرة للبلاد، بعيداً عن أحاديث الديمقراطية التي لم يكن يراها أولوية».

ويضيف: «أظنه كان مقتنعاً فعلاً أن التفاف الشعب حول عبد الناصر جاء من بوابة الإعلام. لم أظن أنه فكر كثيراً في أن عبد الناصر، بالاتفاق أو الاختلاف معه، مثّل تجربة استثنائية في توقيت استثنائي جعله بالفعل، دون إغفال أخطائه الكثيرة، زعيماً ملهماً ليس فقط للمصريين، ولكن فعلياً لشعوب تبحث عن الحرية من الاستعمار الكولونيالي في خمسينيات القرن الماضي».

  • ويقول المصدر نفسه وآخرين ممَن استمعوا لتمني إعلام عبد الناصر، أن السيسي لم يكن معنياً كثيراً فيما بدى باستحالة إرجاع عقارب الزمن للوراء، أو متفهماً لمعنى فرق السنوات أو اختلاف أحوال العالم في الخمسينيات جملة وتفصيلاً عن الثورة التكنولوجية التي سيطرت على العالم في العقد الثاني من الألفية الثالثة.

  • وبحسب رواية أحد المطلعين على جانب من مناقشات أجراها “السيسي” مع الكاتب السياسي الراحل “محمد حسنين هيكل”، والذي دعم صعود السيسي للحكم، فإن هيكل قال للسيسي بكل حصافة ومباشرة عندما سأله الأخير عن سُبل استلهام تجربة «إعلام عبد الناصر»:

إن «ما كان لم في الماضي لا يُمكن استنساخه في الحاضر، لأن طبيعة الأزمنة متغيرة وأحكام تلك التغيرات تفرض نفسها على الجميع بما في ذلك الحُكام».

  • ويقول المصدر نفسه: إن هيكل «ابتعد» عن تقديم المشورة بعد نحو سنة من وصول السيسي للرئاسة، بل لم يكن مرتاحاً لمحاولة فرض رسالة «توعوية» واحدة على كل الجرائد والقنوات التلفزيونية الخاصة منها والحكومية، بل اعتبر هيكل ذلك إخفاقاً في إدراك دور الإعلام كوسيلة تواصل بين الحاكم والشعب في لحظات استثنائية في حياة البلد.

تعليق خارج سياق التقرير:

وصل الأمر بالأستاذ هيكل (رحمه الله) في النهاية أن يطلب علناً في حوار تلفزيوني أجرته معه المذيعة لميس الحديدي بقوله🙁 السيسي بحاجة لثورة على نظامه). انتهى التعليق وعودة للسياق من جديد.

وهنا توقفت لأسأل نفسي سؤالين:

الأول- ما هو جوهر الخلاف بين التجربتين (23 يوليو 1952) و(30 يونيو2013)؟

الثاني- هل جمال عبد الناصر حقاً صناعة إعلامية كما يروج رجال الجمهورية الجديدة؟

في اعتقادي بأن جوهر الفرق والخلاف بين أنظمة ما بعد جمال عبد الناصر (السادات- مبارك – والسيسي) ونظام جمال عبد الناصر، بين دولة الثلاثين من يونيو ودولة الثالث والعشرين من يوليو، أن:

دولة عبد الناصر كانت مؤمنة أنها تقود ثورة، والثورة ليست مجرد مشروعات يتم تنفيذها على أرض الواقع مثل كوبري هنا، ومصنع هناك، وعاصمة جديدة للحكم يصرف عليها المليارات والشعب جائع.

إنما الثورة شيء أعمق من هذا بكثير، من حيث أنها تغيير أساسي في تكوين المجتمع.

هنا يختلف مفهوم “تحسين الأوضاع الذي هو هدف أنظمة ما بعد الدولة الناصرية وعلى رأسها اليوم المشير عبد الفتاح السيسي وحكومته على أحسن الفروض، عن عملية “الثورة” التي قادها البكباشى جمال عبد الناصر وحكومته.

و”الثورة” هي ضرورة تحقيق ما يجب تحقيقه ولو أدى الأمر إلى إزالة الظروف القائمة.

بينما “تحسين الأوضاع”- مهما خلصت نياته ومهما واتته الظروف – لا يتمنى من الناحية الاجتماعية أكثر من تقريب الفوارق بين الطبقات (هذا إن صدقت الأقوال، وحسنت النوايا أو صحت العزائم)!

أما “الثورة” فإنها لا يمكن مهما كانت الظروف أن تقبل ما هو أدنى من “تذويب” الفوارق بين الطبقات تذويباً كاملاً ونهائياً.

هنا لا تصبح “الثورة” مجرد مشروعات كبُرت أو صغُرت (بدراسات جدوى أو بدونها)!

وإنما تصبح “الثورة” عملية تشكيل المجتمع من جديد على أساس يمنح كل مواطن فرصة متكافئة تنمو معها مواهبه، وحقاً في الثروة الوطنية يتكافأ مع هذه المواهب.

هُناك في اعتقادي جانب أخر هام وجوهري من أوجه الخلاف بين الدولة الناصرية والدولة السسيساوية (بين 23 يوليو1952، 30 يونيو2013) وهو أن الدولة الناصرية كان لها منطق مختلف في توزيع الأعباء الاجتماعية بين الحاضر والمستقبل:

فمنطق الدولة الناصرية في إدارة التحول الاجتماعي أنها لا تجعل الحاضر ضحية للمستقبل كما أنها لا ترضى أن يدوس بأقدامه على الجيل الذي يعيش الآن لمصالح أجيال لم تولد بعد. وذلك عكس ما تفعله الدولة السسيساوية اليوم التي تقهر الحاضر لصالح ما تقول انه في صالح المستقبل القادم!

أصل الأن إلى السؤال الثاني وهو: هل جمال عبد الناصر صناعة إعلامية؟

هل صحيح أن سبب بقاء عبد الناصر في مخيلة المصريين طوال تلك المُدة هو الصورة الذهنية الناصعة التي استطاع إعلام عبد الناصر تكوينها عن شخصه؟

في اعتقادي أن ما ربط بين الزعيم جمال عبد الناصر والجماهير برباط لا ينقطع وشائجه رغم محاولات لم تنتهي بعد من جهات كثيرة وقوى عديدة «لقطع» ذلك الرابط هي صفات معينة كانت في الزعيم “جمال عبد الناصر” أهمها في اعتقادي هي انحيازات عبد الناصر للمواطن الفقير، وشعوره الغير محدود بحاجة البسطاء والمهمشون لحياة كريمة في وطنهم. ثم قدرة عبد الناصر على أن يرى حقيقة الوضع بدون أي محسنات مما تصنعها مساحيق الألوان الصادرة من أجهزة الدعاية في الدولة، ثم قدرة عبد الناصر على أن يرى خطأه وأن يعترف به وينتقده ويقوم بإصلاحه أو على الأقل يحاول.

 إنني في هذا الجزء من المقال سوف أذكر مجموعة مواقف لجمال عبد الناصر وربما بعد أن ينتهي القارئ الكريم من قراءتها يُمكن أن تُعطيه صورة ولو تقريبية لجمال عبد الناصر الإنسان والتجربة، ولعلها يمكن أن تقربه من الإجابة على السؤال الأهم: هل جمال عبد الناصر صناعة إعلامية؟

الانحيازيات الاجتماعية لجمال عبد الناصر

«التريبون» هو رجل كانت تنتخبه «طبقه العوام» في روما القديمة ليحمي «حقوقهم» و«مصالحهم» من «عدوان» طبقه الاشراف عليها. ولعل جمال عبد الناصر كان تجسيداً حياً لذلك المعنى الهام في حياة المصريين البسطاء الذين عشقوا عبد الناصر.

بعد نكسة يونيو.. عبد الناصر ينتصر للموظفين

عقب نكسة يونيو وتحديداً في اجتماع لمجلس الوزراء بتاريخ (2 يوليو 1967)، وأثناء النظر في الاجراءات التقشفية لمواجهة أثار النكسة على الحالة الاقتصادية، قرر وزراء الاقتصاد والتموين والخزانة والتخطيط عدد من الإجراءات، ومنها زيادة أسعار بعض السلع، وإلغاء المنحة وتخفيض العلاوة للنصف، وجرى الحوار التالي بين عبد الناصر ووزراءه:

المهندس صدقي سليمان (نائب رئيس الوزراء ووزير الصناعة والكهرباء السد العالي):

«بعتقد إن دية فرصتنا إننا نخفض العلاوة للنصف».

عبد المنعم القيسوني (وزير التخطيط):

«العلاوة تقدر ب 14 مليون جنيه للحكومة والمؤسسات».

الزعيم جمال عبد الناصر (رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء):

«لا موش هاخدها.. يعنى الكلام إلى قلته هيجيب كام مليون»؟

عبد المنعم القيسوني (وزير التخطيط):

«إن هناك فرصة الآن أن نأخذ هذا الإجراء في ظل حماس المعركة، موضوع ال 50% بتاع العلاوة هي حل مشكلة بالنسبة للمستقبل، ويمكن إحنا نظرتنا للمستقبل نظرة بعيدة».

الزعيم جمال عبد الناصر (رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء):

«أنا بتكلم سياسياً عن الموضوع، موش ال 5 مليون جنية. نضع قانون جديد نحدد فيه العلاوة. لكن النهاردة أرفع السجائر وازود ضريبة التلفزيون، وكمان أنزل من العلاوة، كُل ده هيخلى الموظفين (يسبوا ويلعنوا).

وفر يا أخ ضيف (يقصد الوزير نزيه ضيف وزير الخزانة) ال 7 مليون جنيه من حتة تانية».

وتدخل حسن عباس زكى (وزير الإقتصاد والتجارة الخارجية) في الحوار

قائلاً: «هو كان في ناس بيقولوا بلاش علاوة خالص يا ريس».

عبد الناصر مستنكراً غاضباً:

«مين دول إلى بيقولوا، أنا فاهم الموقف السياسي في البلد كويس، في رأيي هذا البند بالذات هيعمل مشاكل كبيرة، لكن هيقعدوا يتكلموا عن ارتفاع سعر السكر والزيت شوية ويخلصوا، لكن (القاهرة هي للموظفين).

أنا عارف الموظف بيقعد يقول لمراته ولأولاده أول ما هاخد العلاوة هجيب كذا وكذا، وتلاقيه حاسب على قد العلاوة عشر مرات، طبعاً الحقيقة قطاع الموظفين قطاع تعبان جداً.

الغوا البند ده، أنا فاهم إن العملية بالنسبة لكم صيده يعنى! أنا عارف إن الجنيه بالنسبة للموظف الى بياخد 60 جنيه يؤثر عليه كثيراً، يبقى نزود البريد وضريبة الدمغة أحسن.

 ويُضيف عبد الناصر:

افهموا إن البلد مليانه كلام وانتقادات فنيجي النهاردة على الموظفين؟!، والحقيقة هي (أكبر طبقة بتتكلم)، فإنت موش هتديهم منحة ال 12 جنيه، وكمان متدهمش نص العلاوة!

أنا بتكلم عن الاعتبار السياسي، (الموظفين أكبر طبقة لسانها طويل)، خلوا بالكم الموقف هيسوء في الست أشهر الى جايه، الفترة الجاية، وهيكون في ضغط خارجي أكبر علينا، فليه اخذ الاجراء ده؟

ويُضيف عبد الناصر بحنكة رجُل السياسة وبفهم لمنطق المواطن البسيط:

وبعدين إذا كنت هرفع الأسعار أنزل الأجور إزاى برضوا؟!

افهموا إن المسألة موش تظبيط أرقام وبس في الميزانية، لكن الموضوع حياة ناس واحتياجات بشر ومعنويات شعب.

ممكن السنة دية منديش منحة، لكن أخفض العلاوة للنُص موش داخله مخي الحقيقة. صدقوني هنتصاب بأضرار أكبر من ال 7 مليون إلى هنلمهم.

عبد المنعم القيسوني (وزير التخطيط):

«أنا كنت عاوز أقول يا ريس» …

عبد الناصر مقاطعاً القيسوني:

«قلت خلصنا يا قيسوني، اقفل الموضوع خلاص».

وفى ملمح أخر يقول عبد الناصر لزكريا محيي الدين (نائب رئيس الجمهورية وقتها) في اجتماع اللجنة التنفيذية العليا بتاريخ (24/12/1967) وكأنه يرد على مسئولين أخر الزمان اليوم كما كان يرُد عليهم بالأمس:

عبد الناصر: دلوقتى كل ما نيجى نتكلم في موضوع يقولوا لي (يقصد الوزراء) نرفع سعر القماش! نرفع سعر البُن! أرفع سعر البن ٣٠ قرش. الموضوع ده أصلاً سياسى؛ وبعدين آخذ (١٠٠,٠٠٠) جنيه، نرفع سعر المكرونة قرش تعريفه! ده مش الإصلاح الاقتصادي.. عايزين نعمل إصلاح، النهاردة الهدف اللي يبقى عنوان هذه الاجتماعات هو الإصلاح الاقتصادي الشامل، لكن لما آجى أقول للناس: إن أنا ها أعطيكم كذا وكذا، ها اعطيكم إيه؟! يعنى ها اشتغل في الصناعة لكم في السنين الجاية.. أولادكم هايشتغلوا ولا مايشتغلوش؟

وزكريا بيقول لي: إنت كان لك تعبيرات لاذعة ضد الوزراء! طبعاً لازم تكون تعبيراتي لاذعة، ليه؟

لما بيجى مثلا وزير الخزانة ويقول لي إن إحنا مانشغلش الناس في الأرض عشان ميأكلوش قمح! ماهي دي التعبيرات اللاذعة يا زكريا! التعبيرات اللاذعة.. دكتور التخطيط ودكتور الخزانة.. واحد بيقول لي: مانجوزش الناس لحسن يخلفوا ويرفعوا عدد السكان!، والتاني يقول لي نقطع النور فترة طويلة عشان نقلل الخلفة! (يقصد الإنجاب)

إنتوا فاهمين الكلام ده معناه إيه؟

الكلام ده معناه، إنك بتفقد عند الناس الأمل.. وإذا كان الناس معندهاش أمل في بكره، أنا عايز أقعد رئيس جمهورية أعمل إيه؟!

المفروض إني أقعد هنا رئيس جمهورية عشان أحقق أمال الناس. أنا بأعتبر ده لب الموضوع.. لُب الموضوع إني أحقق للناس أهدافها وآمالها فإذا كنت أنا لن أستطيع أن أحقق للناس أملهم أو مش ها أقدر أعطيهم أمل؛ طيب ها أقعد في مكاني ليه؟

ها أقعد عشان أحكم وبس؟! علشان يبقى العملية إن أنا بأرفع للمواطن البن وبعدين بأرفع له القماش، وبعدين بامنع العمالة وبعدين مابأشغلش الناس عشان ما يتجوزوش ويخلفوا وبعدين ما أشغلش الناس عشان ميأكلوش!، يعنى الحقيقة هذا الموضوع بهذا الشكل..

بتيجى انت بقي يا زكريا وتقول لي: ليه أنا ردى بيكون لاذع على الوزراء ما هو لازم يكون لاذع ما دام الكلام بالشكل المستفز ده؟!

ويضيف عبد الناصر بإحساس المواطن البسيط وبوعي السياسي المحنك قائلا:

وبعدين ما أقدرش أقول إن أنا أخفض الأجور وأرفع الأسعار؛ ما حدش بيعمل ده في الدنيا، يا بأعمل ده لبعمل ده.. إحنا عملنا ده وعملنا ده، والناس استحملت.. الناس استحملت كل الإجراءات اللي إحنا عملناها. وأنا رأيي إن الناس مستعدة تتحمل إجراءات أكثر ويعنى إحنا قادرين إن إحنا نخليهم يتحملوا، ولكن إيه الرؤية اللي عندكم اللي تخلوا الناس يحسوا إنهم متمسكين بنا لأن إحنا هانعطيهم شيء.. أمل في بكرة لهم ولأولادهم؟!

ويضيف عبد الناصر بنظرة السياسي الواعي لمعنى شرعية الحكم:

الولد اللي بيطلع من توجيهي ها يعمل إيه؟! دي مواضيع البلد.. الولد اللي هيطلع من إعدادي هيعمل إيه؟! اللي هايتجوز ها يسكن فين؟! اللي هيتخرج هيشتغل فين؟! ده معناه إن أنا عندي عدة ميادين الحقيقة لازم أشتغل فيها؛ اللي هي الصناعة، البترول، الثروة المعدنية، الزراعة، السياحة وأيضا تحديد النسل.. الحقيقة ما فيش عمل بالنسبة لتحديد النسل، مشينا في الموضوع متحمسين.

وأضاف: بعد كدة نقدر نعمل أي حاجة، لكن لازم يبقى عندي الناحية اللي أنا ها أدوس على نفسي فيها والناحية اللي ها أعطيهم. إذا كنت ها أدوس فقط ومش ها أعطى طيب الناس ترتبط بي ليه؟! الناس على طول تطالب بالتغيير.. تغيير النظام كله زى سنة 1951-١٩٥٢.

وفى ملمح من نفس الاجتماع، يرد عبد الناصر على أحد الوزراء الذين ابتلى الله بهم مصر في الماضي والحاضر بقوله:

إذا كان المسألة مسألة موازنة سهلة قوى – من أسهل ما يكون على أي دولة أنها توازن ميزان المدفوعات، من أسهل ما يكون على أي دولة أنها تخلى الميزانية متوازنة؛ ترفع الأسعار، تقلل الأجور بأي نسبة لغاية ما العملية تتوازن، هل هذا المطلوب؟!

إذا كان المطلوب بدرجة ما، إلى أي مدى يمكننا أن نذهب في هذا الطريق؟

ده في رأيي الحل السلبي.. الحل السلبي إني عندي مشكلة، إذا باوازن الميزانية بأني أرفع الأسعار وأخفض أجور، وبالتالي فعلاً ما بيحصلش أزمات. لكن ما هو إذا أخذنا الـ المثال في هذه العملية، نقدر نقول: إن إحنا نموت جزء من الشعب بالجوع وبنخفف من المشكلة خالص!

أنا عازوكم تفهموا الموضوع مش تظبيط أرقام الموضوع حياة الناس وارتباطها بشرعية النظام.

تعليق:

من خلال ما سبق يتضح لنا أن “جمال عبد الناصر” رغم أنه قادم من خلفية عسكرية إلا أنه كان يعي جيداً مالم يعيه من جاءوا بعده، وهي أهمية معنى “الشرعية”، شرعية الحاكم ومن ثم شرعية نظام الحكم.

كان جمال عبد الناصر عارفاً ومتفهماً أن ‏أي نظام حكم قائم على فكرة «الشرعية» (أي القبول الطوعي من المحكومين بالحاكم دون جبر أو إجبار مما تصنعه أدوات القوة من مسدس الشرطة لدبابة الجيش، ودون تزييف أو تزوير مما تصنعه مساحيق الإعلان أو المظاهر الانتخابية الكاذبة للإرادة الشعبية في العملية الديموقراطية!).

 كما أنه كان يعي أن النظام يمارس عمله من خلال فكرة «المشروعية» (أي ممارسة سلطاته من خلال الالتزام بالنظم والقوانين).

 فإذا «تجاوز» النظام (أي نظام) المشروعية، «اختلت» على الفور «الشرعية»، وعلى أثر ذلك الاختلال يُصبح النظام «مُهتزاً» ومُعرضاً «للسقوط».

ولعل من جاءوا بعد عبد الناصر (لم يهتموا لأمر الشرعية وألقوها على قارعة الطريق، كما أنهم داسوا على مفهوم المشروعية بأحذيتهم الثقيلة)، وحاول هؤلاء تطبيق العبارة الشهيرة التي وصفت الاتحاد السوفييتي في عصر (ستالين):

«الزعيم يقرر.. الحزب يوافق …الشعب يصفق! …ومن يرفض الى الغولاك!»

(انتهى التعليق، وعودة للسياق من جديد).

 

عبد الناصر واعترافه بأخطائه ونقده لنظامه

من أهم ما يميز جمال عبد الناصر هو قدرته على رؤية الأمور على حقيقتها بعيداً عن كل التضخيمات الإيجابية من قبل أجهزة الدولة الرسمية، وكذلك اعترافه بأخطائه ونقده لنظامه لدرجة جلد الذات في أحيان كثيرة، وذلك ما سنراه في الأمثلة التي اخترتها من محاضر مجلس الوزراء المصري، فهو مثلاً يقول: في اجتماع لمجلس الوزراء بتاريخ (24 ديسمبر1967):

«وبعدين البلد الحقيقة حاسة إن الحكم عاجز والحكومة عاجزة، وطبعاً أول ما البلد تحس إن الحكم عاجز والحكومة عاجزة معناها إنها بتفكر في التغيير؟ يعنى إيه بتفكر في التغيير، يعنى الحقيقة لما إبتدينا المد والجزر ده سهل، لكن إذا الجزر تحول إلى انحسار بيبقى يعنى بعد كدة على طول لازم يكون هناك انكسار كامل! وأنا باعتبر دلوقتى إن الجزر يعنى بيتحول إلى انحسار لأن كل واحد ملبش»!

وفى اجتماع آخر لمجلس الوزراء بتاريخ (26 ديسمبر 1967) يقول عبد الناصر مخاطباً سيد مرعى وزير (الزراعة) ووقتها:

«الحقيقة تقارير المباحث وكلامها أنا شفته في عملية الانتخابات ولم أقتنع! ليه بقي؟ همَّا عندهم ثلاث حاجات.. يعاقر الخمر، يعاشر النساء، مش فاهم إيه؛ أربع شعارات كده بهذا الشكل، تبص تلاقى كل واحد يعاقر الخمر يعاشر النساء، ما أعرفش جت عليك ولا ماجاتش! (ضحك) كلام الحقيقة غير واقعي أبدا»!

وفى اجتماع آخر لمجلس الوزراء بتاريخ (3 أغسطس 1967) قال عبد الناصر:

«أنا باقول إيه؟ النظام اللي احنا فيه أنا خايف منه! أنا النهاردة أقوى واحد فيكم، لكن خايف منه لسبب؛ لأني شفت انحرافات مش قادر أقومها ولا أوقفها.. كده بصراحة! طيب.. ممكن في المستقبل يبقى فيه أسوأ من كده»!

 

وفى اجتماع آخر لمجلس الوزراء بتاريخ (24 أغسطس 1967) قال عبد الناصر:

«بأسأل نفسي هاودى البلد دي فين بالنظام المتفسخ المتعفن من جميعه؟! هاودى البلد فين؟! وأنا قبل العدوان، ويمكن قعدت مع أنور (يقصد أنور السادات) واتكلمت في جلسة طويلة في أوضاع شايفها ومش عارف أحلها، وبقيت أقول له: إلى أين المفر؟! قبل العدوان بحوالى شهرين ثلاثة.. إلى أين المفر؟!

وأضاف: وقلت له: لا أستطيع تحمل المسئولية ولا قادر أصلح وعاجز! انتو بتقولوا جمال عبد الناصر.. وجمال عبد الناصر عاجز! حاتطلبوا منى إيه أكثر من مقدرتي؟! هو الكلام ده».

 

تعليق:

لعلنا نرى هنا بوضوح مفارقة كبرى ومأساة من مآسي السياسة، فالحاكم المعشوق من جانب جماهيره (والذي يظُن جماهيره) أنه قادر بسُلطاته على أن يفعل أي شيء، يجد يده مغلولة عن إصلاح ما يراه خطأ أو سلبي، لأنه يخشى من أن تتطور حالة المواجهة لتصبح لحالة «انقلاب» على النظام من داخل النظام، أو تنتهي تلك المواجهة «لتفسخ» النظام وتلك مشكلة وأزمة النظام الواحد المغلق وهو ما اعترف به جمال عبد الناصر نفسه وانتقده عقب نكسة يونيو1967 في محاضر رسمية. (انتهى التعليق وعودة للسياق من جديد).

ناصر الصمود

هناك فروق فاصلة بين «سمو» و«سقوط» البطل التراجيدي، خاصة أن التغير في أحوال البطل من «السعادة» إلى «الشقاء»، لا يحدث بسبب الخبث والشر، بل «بسقطة عظيمة»، فهذه السقطة العظيمة، هي إذاً «نقطة الضعف في شخصية البطل التي لا تجعله كامل الفضيلة، والتي تنجم عنها الفاجعة»، ويمكننا القول إن «الخطأ المأساوي» الذي يسبب «تعاسة» البطل التراجيدي، يرجع إلى حكم خاطئ على الموقف، سواء عن مؤامرة أو جهل أو تعمد وعناد.

فالإنسان مهما كان قوياً، فإن القوى الغيبية القدرية تظل أقوى منه وعن طريق التحدي بالإرادة يستعر الصراع بين الإرادتين، وتنتصر إرادة القدر أو مشيئته. وهنا يكمن نبل التراجيديا في هذا الموت المحتوم الذي يواجه البطل المقضي عليه، والذي يقاوم حتى آخر لحظة في حياته، تحقيقاً لذاته الإنسانية، وتأكيداً نبيلاً لموقف الإنسان الذي يرفض الاستسلام، كاشفاً في صراعه المهيب بأسرار النفس وأسرار الوجود، وأن ما حل بالبطل التراجيدي يعتبر تطهيراً لنفسه عن الأخطاء التي ارتكبها بدون وعي منه، فبهذا كان المبدأ الخلقي يقضي، وحتى يعود النظام مرة أخرى، لابد من تطهير نفس البطل.

ولعل ذلك التعريف لمفهوم البطل في التراجيديا ينطبق على الزعيم جمال عبد الناصر، وتجربته من 23 يوليو 1952 حتى 28 سبتمبر 1970، صعود نحو القمة، وسقوط من حالق في (حرب يونيو67).

عبد الناصر ومعنى الشجاعة والتحدي

وبتاريخ 10 يوليو1967حدث اجتماع بين الرئيس جمال عبد الناصر والملك حسين (عاهل الأردن) وأنا أنقل من محضر الاجتماع نصاً:

الملك حسين سؤال سيادة الاخ وأنتم ماذا ستفعلون؟

فأجاب عبد الناصر:

«أنا هسلح نفسي تاني وهبني جيش وهحارب إن شاء الله يقعدوا 10 سنين في سيناء، مشكله سيناء غير مشكله الضفة الغربية، إحنا ممكن بنسيب قناة للسويس ما تشتغلش، عنها ما اشتغلت بناكل يعني بدل رغيف بناكل نص رغيف ونستحمل وضع سيناء وبعدين إحنا يمكن نبتدي بعد ثلاث أربع شهور حرب عصابات في سيناء وممكن نكفرهم في سيناء وما نوصلش لهم ميه ولا أكل يعني في سيناء ممكن نتعبهم وما عندناش المدنيين اللي هينضروا في سيناء.

أنا مع الأمريكان مش هسلم لغاية ما يوصلوا لي هنا لحد البيت هنا في منشية البكري ويجوا يأخذوني هما واليهود ويعملوا فيا اللي عاوزين يعملوه ده بالنسبة لوضعي.

أنا بعتبر نفسي إني مش واقف قصاد إسرائيل بعتبر إن أنا واقف قصاد أمريكا العملية بهذا الشكل، هناضل بكل وسيلة ولن أستسلم للأمريكان ومش هوصل لحلول وسط إذا قدروا يخلصوا علي وجابوا حد غيري يبقى أنا ما ليش في ده اللي هيجي يبقى يمشي زي ما يمشي ده لو سمح له الشعب بده».

تعليق:

بكل أسف أن ما قاله جمال عبد الناصر للملك حسين «أنا مع الأمريكان مش هسلم لغاية ما يوصلوا لي هنا لحد البيت هنا في منشية البكري ويجوا يأخذوني هما واليهود ويعملوا فيا اللي عاوزين يعملوه ده بالنسبة لوضعي» قد تحقق بعد رحيله حينما احتل الأمريكان عاصمة العباسيين ودخلوا إلى بغداد غازين في (1 مايو 2003)، ولم يكتفوا بذلك بل أسروا رئيسها “صدام حسين” جهاراً نهاراً وأعدموه في النهاية.

وفى تقرير عن مقابلته للزعيم جمال عبد الناصر عقب نكسة يونيو67 كتب “دونالد بيرجس” المبعوث الأمريكي بتاريخ ٦ يناير ١٩٦٨ برقية (برقم ٦٠٠١٠١٣١/٥١٤) أرسلها للخارجية الأمريكية – قال فيها:

“استقبلني ناصر في مقر إقامته الساعة الثانية عشرة والنصف ظهر اليوم٦ يناير. دام لقائي معه أربعين دقيقة. بدا لي ناصر في صحة ممتازة وفى روح معنوية عالية. وكان يرتدى بنطلونا وفوقه بلوفر من الصوف. ولم تكن هناك أية أعراض لعصبية لوحظت فيه أحيانا عندما يجلس ليتحدث مع زواره ويهز ركبتيه. وكان طوال المقابلة مجاملا وودياً. وقد سألني عن أسرتي وعن أحوال عملنا في الظروف الجديدة.

ليصل بيرجس في تقريره لجوهر اللقاء قائلاً:

وحين انتقلت بالحديث إلى إمكانيات التسوية على أساس قرار مجلس الأمن ٢٤٢، قال إنه يرحب بأي جهد نقوم به، لكنه يرى أن ذلك سيأخذ وقتا طويلا لأنه من الواضح له أن إسرائيل لا ترغب في سلام حقيقي، ومن سوء الحظ أن الولايات المتحدة سوف تتقبل في النهاية وجهة النظر الإسرائيلية.

وهنا قال ناصر إنه يعرف أن أمامه سنوات صعبة، وبالغة الصعوبة. وكان أصعب شيء بالنسبة له بعد الحرب واجبين عليه أن يقوم بهما:

الأول: أن يصارح شعبه بأن الهزيمة حلت “بنا”.

والثاني: أن يصارحه أيضا بأن ما أخذ بالقوة لا يسترد إلا بالقوة.

وهو قد أدى هذين الواجبين، ولهذا فهو مرتاح نفسيا برغم ما يراه أمامه من صعوبات. فهو الآن يقدر أن شعبه مستعد لأن يتحمل الثمن المطلوب للسلام الذي يقبله. وقد أضاف أن السلام هو هدفه، وإنه عندما قام بثورته كان يريد بناء سلام عن طريق التنمية. وعندما واجه الحرب مضطرا فقد كان يعرف أن الدافع إليها بالضبط هو اعتراضه في عملية التنمية التي عبأ من أجلها إمكانيات بلاده.”

حوار بين الفيلسوف والنبي حول دور جمال عبد الناصر!

أصل الأن لوثيقة من أهم الوثائق التي تثبت بيقين لا يداخله ثمة شك ما أثبته “بليخانوف” بصورة مقنعة في عمله الممتاز (عن دور الفرد في التاريخ) عن الارتباط المتبادل بين تقويم التاريخ للإنسان ودوره الواقعي في تطور المجتمع.

ولعل أبرز من يجسم تلك الفكرة وذلك المعنى وثيقة إسرائيلية تعود لعام (١٩٧٠)، والوثيقة هي عبارة عن حوار جرى بين مؤسس الدولة وبانيها ونبيها المعذب بالشك والحيرة والقلق “دافيد بن جوريون” – أو (المُعلم) كما كان يُطلق عليه تلاميذه الأوفياء (ديان وايبان وشارون ورابين). وبين «فيلسوف» إسرائيل ومنظر سياساتها وبأنى صناعتها النووية (وهو من الأصل أحد التلاميذ النُجباء للنبي الجديد بن جوريون) “شيمون بيريز”!

والحوار بينهم يعود لأوائل عام (1970) ، في عز حرب الاستنزاف على الجبهة المصرية ، مع اندلاع الثورتين الليبية بقيادة “معمر القذافي” ، والسودانية بقيادة “جعفر نميري” ، مما عنى للجميع أن تيار القومية العربية الذى يقوده جمال عبد الناصر رغم الضربة المؤلمة الذى تلقاها في يونيو67 ، لازال قادراً على التأثير و النفاذ لمواقع جديدة ومهمة ، وقد كتب بيريز محضر بذلك اللقاء وأرسله لديان(وزير الدفاع وقتها) للاطلاع والعلم ، والغريب أن ديان لم يكتفى بالاطلاع وإنما أرسل نسخة من الحوار لرئيسة الوزراء(جولدا مائير) ، وكذلك آشر على المحضر بأن يدخل المحضر ضمن الوثائق السرية للدولة العبرية.

ورغم أن الحوار بينهم وفق الوثيقة طويل لكنى أخترت الجزء التالي منه:

الفيلسوف (بيريز) للنبي (بن جوريون):

لقد كان منطقنا دائماً أن جمال عبد الناصر هو الوحيد الذي يستطيع إقناع العرب بالحل السلمي واقامة سلام مع إسرائيل، ولهذا كان يتم الضغط عليه وإضعافه للقبول بما نريد.

ولكن اليوم علينا أن نغير أولوياتنا وفق الظروف الجديدة، لقد تحدثت مع الجميع في الوزارة من “جولدا مائير” ل “ديان” لم يعد لهم هَم إلا تكرار قول: [أن جمال عبد الناصر يجب أن (يذهب)، ويجب أن يذهب (بسرعة)، لأن ذهابه هو الخطوة الأولى إلى حل دائم ترتاح معه إسرائيل].

ويكمل الفيلسوف بيريز عرض رؤية المؤسسة العسكرية قائلاً:

«إن المؤسسة العسكرية أيضاً تعتقد أنه في وسعها بتشديد الضغط الجوي على مصر، أن تحصل على نتيجة في ظرف ستة أسابيع».

ويتحدث النبي بن جوريون متعجباً ومندهشاً ويصيغ تعجبه واندهاشه في سؤال قائلاً:

«هل تتصور أنهم يستطيعون الخلاص من النظام القائم في مصر كله في ظرف ستة أسابيع …أليست هذه مبالغة في التفاؤل؟».

ويعقب الفيلسوف بيريز على تساؤل النبي بن جوريون:

«لقد سمعت منهم قولهم إن ذلك هدفنا الآن، وأملنا الأول، حتى إذا قُمنا في سبيل ذلك بمغامرات لا يتصورها أحد، لأننا لو فعلناها نكون وفرنا أمن إسرائيل للأبد».

ويضيف بيريز وقد أضاف دور المحلل السياسي لدور الفيلسوف الذي يتقمصه، قائلاً:

إنهم فيما يبدوا متشجعين (بالدعم الأمريكي)، لأن الأمريكان أيضاً وصلتهم عدوى الجنون واستشعار الخطر الشديد من استمرار تواجد ناصر في الحكم في بلد مهم ومؤثر مثل مصر، وهذه الجهات الأمريكية هي التي تدخلت للإسراع في تسليم صفقة الطائرات الفانتوم التي يجرى تسليمها الآن.

ويضيف الفيلسوف بيريز لعلم النبي بن جوريون، قائلاً:

بعض المسئولين لدينا سألوا الأمريكيين:

«هل تعتقدون بما تعتقد به إسرائيل، من أن الضغط بالضرب الجوي في العمق ضد مصر سوف يؤدى إلى التأثير على مركز عبد الناصر؟».

كان ردهم غريباً أيضاً… لقد رد الأمريكيين عليهم بالقول:

«التأثير على (مركز) عبد الناصر (محتمل)… ولكن ما هو محتمل أكثر، هو التأثير على (عبد الناصر نفسه)!».

ويضيف الفيلسوف بيريز:

لقد قال الأمريكان إن معلوماتنا عن عبد الناصر أنه «عاطفي» يحب شعبه، ويكره أن يحمله تضحيات كبيرة.

وإذا زادت الخسائر في الأرواح، بفعل الغارات في العمق، مع اتساع نطاقها، فإن عبد الناصر العاطفي قد يتحرك..

– إما أن يقبل أي شروط تفرض عليه.

– وأما أن يقرر بنفسه الذهاب.

– أو أن يختار بنفسه حاكماً غيره، يستطيع أن يتفاهم معنا.

ويضيف الفيلسوف بيريز بما يدعم ويدل على قدرته على التنبأ:

 ‏«لقد قلت “لديان” و”إيتان” و”بارليف”، إذا استطاع الجيش وعلى رأسه الطيران أن يركز الضرب والضغط على القوات المصرية لمدة شهرين، فسنحصل على نتيجة أن هذا الجيش سيحدث له خللاً واسعاً في التوازن، لدرجة قد تدفعه للانقلاب على ناصر نفسه».

 ‏وعند تلك النقطة المفصلية في النقاش، تدخل النبي بن جوريون لسؤال تلميذه الفيلسوف السؤال الأهم:

وماذا عن الشعب المصري؟

وكان رد بيريز الحاسم والقاطع والعميق والصادق أيضاً:

– «معلمي.. بغير عبد الناصر سوف تختلف مصر»!

ورد عليه المُعلم بن جوريون بسرعة بسؤال آخر:

– وماذا عن الأمة العربية؟

وكان رد الفيلسوف على ذلك السؤال حاذق أيضاً، حيث قال:

– «معلمي … بغير مصر سوف تختلف الأمة العربية»!

انتهيت من قراءة الوثيقة وتركت القلم من يدي وقُلت لنفسي إنه (فعل) دور الفرد في التاريخ الذي (تعطل) منذ رحيل جمال عبد الناصر حتى اليوم. وانعكس غياب عبد الناصر على حالة الأمة العربية وتطورت تلك الحالة من «غياب» الأمة، «لتغييب» الأمة، حتى وصلنا اليوم «لغيبوبة» الأمة، ولا أحد يعلم متى ستفيق الأمة من غيبوبتها المزمنة.

 وعدت أردد مقولة الفيلسوف بيريز للنبي بن جوريون:

«بغير عبد الناصر سوف تختلف مصر … وبغير مصر سوف تختلف الأمة العربية».

وتذكرت بيت شعر لأبو تمام:

«ثم انقضت تلك السنون وأهلها فكأنها وكأنهم أحلام».

المراجع

عن الرئيس و«إعلامه».. ما جرى خلال 10 سنوات

هزيمة الهزيمة (محاضر مجلس الوزراء المصري).

الأوراق الشخصية للزعيم جمال عبد الناصر (الجزء الخامس والسادس).

المفاوضات السرية بين العرب وإسرائيل (الأجزاء الثلاثة) – محمد حسنين هيكل.

الحرب والسلام في الشرق الأوسط -أفي شلايم.

الحرب العربية الإسرائيلية 1967: الأصول والعواقب.

مجدي منصور, محامي مصري وكاتب سياسي

مجدي منصور كاتب سياسي مصري له العديد من المقالات والدراسات المنشورة بكبرى المواقع ك (ساسة بوست - نون بوست - هاف بوست- عربي بوست - روافد بوست).

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى