كابوس الإمبراطوريات البحرية الجريحة وتهورها. استراتيجية التآكل التدريجي للنجاة في ظل حتمية الصدام (1-4 ) | بقلم حيدر المنصوري
الجزء الأول: أمريكا أولاً، تجليات انكماش هيمنة الإمبراطورية الجريحة في ظل إعادة التشكيل الهيكلي، وتشكل النظام التكسيري Fragmented Order.

على مر التاريخ، لم تسقط الإمبراطوريات العظمى فجأة بفعل ضربة قاضية واحدة، بل غالباً ما بدأت رحلة أفولها من الداخل، عندما تثقل كاهلها الأعباء الجيوسياسية، وتنهش جسدها الأزمات الاقتصادية والاجتماعية. وفي تلك اللحظات الحرجة، عندما تشعر الإمبراطورية بالجرح، فإنها تلجأ غريزياً إلى استراتيجية الانكفاء على الذات، متخلية عن حلفائها وأتباعها لإنقاذ مركزها.
إن شعارات مثل أمريكا أولاً ولنجعل أمريكا عظيمة مجدداً (MAGA) ليست مجرد ظاهرة شعبوية عابرة أو خيارات سياسية لرئيس دون آخر، بل هي في الجوهر التعبير المعاصر عن هذا السلوك الإمبراطوري الكلاسيكي المتراجع.
حتمية التراجع: عندما يصبح العبء مهدداً للمركز
تاريخياً، قامت كل الإمبراطوريات على معادلة تبادلية: الحماية مقابل الولاء والنفوذ. في أوج قوتها، تتمدد الإمبراطورية عسكرياً واقتصادياً، وتتطوع بحماية أطرافها وحلفائها لتأمين هيمنتها العالمية. لكن عندما تقع الإمبراطورية في فخ التمدد الزائد (Imperial Overstretch)، وتستنزف مواردها في حروب استنزاف لا تنتهي، يصبح الحلفاء عبئاً مالياً وعسكرياً لا يمكن تحمله.
عندما واجهت الإمبراطورية الرومانية ضربات البرابرة وأزماتها الاقتصادية الخانقة في القرن الخامس الميلادي، اتخذت روما قراراً استراتيجياً بسحب فيالقها العسكرية من بريطانيا وأطراف أوروبا الغربية لتركز ما تبقى من قوتها لحماية العاصمة والقلب الإيطالي. تُرِك التابعون لمصيرهم تواجههم الفوضى، لأن إنقاذ المركز أصبح الأولوية القصوى.
أمريكا أولاً: الجوهر الحقيقي للشعار
إذا نظرنا إلى الولايات المتحدة اليوم من خلال هذه العدسة التاريخية، نجد أن شعار أمريكا أولاً هو إعلان صريح عن تعب الإمبراطورية. إنه اعتراف ضمني بأن تكلفة صيانة النظام العالمي الذي تقوده واشنطن منذ الحرب العالمية الثانية أصبحت أعلى من العوائد التي يجنيها الداخل الأمريكي.
ويمكن تفكيك هذا السلوك إلى ثلاثة أبعاد رئيسية:
الإنقاذ الذاتي القومي: رفع شعار لنجعل أمريكا عظيمة مجدداً بالتركيز على البنية التحتية، والحدود، والوظائف المحلية. محاولة علاج الجرح الداخلي (الاستقطاب السياسي، التضخم، انهيار الطبقة الوسطى) على حساب الأدوار العالمية.
الانكفاء الاقتصادي: فرض التعرفات الجمركية، والانسحاب من الاتفاقيات التجارية متعددة الأطراف، وحرب الرقائق الإلكترونية. محاولة لإعادة بناء القلعة الصناعية الداخلية لحماية المركز من الصعود التكنولوجي للمنافسين (مثل الصين(
التخلي عن التزامات الحماية: الضغط على حلفاء الناتو لدفع ثمن حمايتهم، والتشكيك في جدوى الدفاع المشترك. تحويل العلاقات الاستراتيجية من تحالفات قائمة على القيم والمصالح المشتركة إلى علاقات تجارية حمائية بحتة. (Transactionism).
سيكولوجية الإمبراطورية الجريحة:
إن الجرح الذي تعاني منه أمريكا اليوم ليس عسكرياً بالضرورة، بل هو جرح الهيمنة الأحادية. فالصعود المتنامي للقوى متعددة الأقطاب، والأزمات الاقتصادية المتلاحقة، والإنفاق التريليوني على حروب الشرق الأوسط دون نتائج حاسمة. كل ذلك خلق شعوراً لدى المواطن الأمريكي (وداخل النخبة السياسية الجديدة) بأن العالم يعيش على حساب دافع الضرائب الأمريكي.
من هنا، ولدت الرغبة في التخلي عن الأعباء. إن لسان حال استراتيجية أمريكا أولاً يقول للحلفاء في أوروبا وآسيا: لم نعد قادرين، ولا راغبين، في خوض حروب نيابة عنكم أو دفع فواتير أمنكم دون مقابل مجزٍ. القلعة الأمريكية يجب أن تحمي نفسها أولاً.
عواقب الانكفاء
إن التاريخ يعلمنا أن انسحاب الإمبراطورية المتعبة من أطرافها لا ينقذها دائماً، بل غالباً ما يسرع من أفول نفوذها العالمي. فعندما تتخلى القوة العظمى عن حلفائها، فإنها تخلق فراغاً جيوسياسياً تسارع قوى صاعدة أخرى لملئه.
أمريكا أولاً هي محاولة واقعية وقاسية لإعادة هيكلة الإمبراطورية لتتناسب مع عالم متعدد الأقطاب، لكنها في الوقت ذاته، تؤكد الحقيقة التاريخية الأزلية: عندما تئن العواصم الكبرى تحت وطأة جراحها، فإن أول ما يسقط هو مظلة الحماية التي كانت تظلل بها أتباعها، ثم عندما يتركها الحلفاء ينهار إقتصادها وتنهار هي بالتوازي.
النظام التكسيري الجديد Fragmented Order:
حرب التشكل في النظام العالمي الجديد يمكن إطلاق صفة النظام التكسيري عليها، حيث لا تقتصر المواجهة على القوة العسكرية، بل هي حرب أيديولوجية بين نموذج تقوده الشركات العابرة للقارات التي تدعم النظام الليبرالي الرأسمالي الجديد- وأيديولوجيته الرأسمالية النفعية Utilitarian Capitalism، والذي تصدع كثيرا مؤخراً في ظل تصاعد نماذج سلطوية-رأسمالية قومية في الدول الأوروبية كرد فعل غريزي على تراجع الإمبراطورية لحماية الذات، والتقدم نحو بديل قومي لتأميم الأصول الحيوية المهمة من قبضة الولايات المتحدة وشركاتها العابرة للقارات، وتفضيل تقديم الكفاءة الاقتصادية على الحقوق الفردية.
بعد أن كانت هذه الدول تحارب الدول القومية (كإيران ورسيا) وتصفها بالسلطوية، لإجبارها على فتح أسواقها للشركات العابرة للقارات وفق الليبرالية الجديدة لتسييل وتحويل المجتمعات والأصول لديها إلى مراعي ترتع فيه تلك الشركات وتبقي الشعوب كبدو مرتحلون لا يملكون شيئا في أوطانهم، أصبحت الدول الأوروبية اليوم تتبنى الشعارات القومية نفسها لإستعادة ملكيتها على مقدراتها التي باعتها لتلك الشركات في يوم ما.
في ظل هذه الأيديولوجيات المتصارعة، سيكون الشرق الأوسط بمثابة مختبر جيوسياسي لا تخضع فيه المنطقة لإرادة قوة عظمى واحدة، بل تتشكل وفقاً للصدام بين هذه النماذج وستقود لصعود التكتلات الصغيرة التي تعتمد تجزئة المنفعة الوظيفية بدلاً من وجود عالم عربي موحد، ستنقسم المنطقة إلى تحالفات وظيفية بناءً على الأيديولوجيات المختلفة التي تقوده.
تجنب الانجرار لحرب إقليمية:
بينما يتحرك طرفا الصراع إيران وإسرائيل بوقود النبوءات، تتحرك بقية المنطقة بوقود الاقتصاد والأمن القومي، مما يجعل الهوة بينهما تزداد اتساعاً، ويتحول الصراع من تنافس سياسي يمكن حله بالدبلوماسية إلى مواجهة وجودية يصعب احتواؤها.
إن امتلاك المجتمعات المصابة بالعُصاب الأخروي أسلحة التدمير الشامل لا يمكن وصفه إستراتيجياً بمنطق الدفاع عن النفس، بل هو سيكولوجياً بمثابة وضع ولاعة مشتعلة في يد طفل غاضب داخل مستودع بارود.
هذا الطفل (المجتمع المأزوم حضارياً) الذي زرع نفسه في أرض غيره بالقوة، ويفسر أي تحرك أو تعاون في المنطقة بأنه تهديد وجودي، يعيش تاريخياً حالة قهر مزمن وعجز مادي أمام حركة التاريخ، وتتحكم به «أنا عليا سادية» تصل هذه الأنا العليلة في هذه المرحلة إلى أقصى درجات انفصامها الأخلاقي، حين تتحول النرجسية المذهبية إلى أداة لـ «نزع الإنسانية عن الآخر» (Dehumanization) و تقنعه بأن إشعال المستودع وتفجيره ليس انتحاراً، بل هو الممر الإجباري الوحيد لتطهير الكوكب، وإجبار المخلص على النزول لإنقاذه ورفع قمع الواقع عنه.
وهذا الفكر المنحرف يرفع عن كاهل الفرد رعب التدمير النووي أو البيولوجي؛ فالقنبلة الفتاكة لم تعد سلاحاً بشرياً قبيحاً، بل تصبح تجسيداً للغضب الإلهي المطهر.
كما إن المراهنة على استيقاظ الضمير الذاتي للطفل الغاضب هي مراهنة عبثية قد تنتهي بانفجار المستودع، وفي ظل غياب الحل الأمثل والبنيوي الوحيد وهو التدخل الدولي الصارم لفصل التكنولوجيا الفائقة عن العقول العُصابية، لعجز وتواطئ هذا النظام مع هذه العقلية الطفولية.
لذلك تسعى الدول العربية لتجنب أن تكون ساحة للمعركة الكبرى بين إيران وإسرائيل، مع العمل كوسيط لضمان عدم خروج الصراع عن السيطرة والتعامل مع الأمر الواقع، وقبول التعامل مع القوى القائمة إيران وإسرائيل كقوى إقليمية، ولكن مع رفض أيديولوجياتها الخلاصية التي تُعتبر وقوداً لعدم الاستقرار الدائم. ولكن هذا الضعف أمام هذه العقلية لن ينتج إلا مزيدا من الجرأة على تنفيذ أجندته العقائدية والتوسع لتحقيق غاياته.
الاستقرار البراغماتي في الشرق الأوسط:
ولكن من ناحية أخرى فإن كتلة الاستقرار البراغماتي الذي تقودها السعودية والإمارات تعيد تشكلها في تضاد تام بينهما-رغم انتهاجهما لنفس النهج، حيث يركز كلاهما على نموذج رؤية 2030 وأيديولوجيتهما المبنية على النمو الاقتصادي الفائق، فهذا ربما سيقود للصدام بينهما، بسبب تعامل هذه الدول مع المنطقة كسوق تجاري كبير يتنافسون عليه- وليس تحالفات متينة متناسقة- وهذا قد يسبب الصدام بينهما في مرحلة ما.
أما محور المقاومة الذي تقوده إيران، فسوف يبقى يروج لفكرة السيادة غير المتكافئة، رغم الضربات العسكرية في مطلع 2026، وسيستمر هذا المحور في محاولة تعزيز نفوذه في لبنان والعراق واليمن، معتبراً المنطقة ساحة معركة دائمة ضد النفوذ الغربي. وسيتعزز سيطرته على المضائق المهمة (هرمز وباب المندب) ودوره كلاعب مهم يحسب له ألف حساب في التحالفات الدولية.
تأكيد السيادة الرقمية:
ستعتمد كل المحاور على تأكيد السيادة الرقمية مقابل العولمة وسيتحول الشرق الأوسط إلى خط مواجهة في الحرب الباردة التكنولوجية. حيث تستثمر دول مثل السعودية وقطر بكثافة في نماذج الذكاء الاصطناعي الخاصة بها لضمان السيادة الرقمية، رافضة الاختيار بين التكنولوجيا الأمريكية (سيليكون فالي) والصينية (هواوي). وهذا سيخلق ما يسمى بـ الإنترنت المنقسم (Splinternet) في المنطقة، حيث تعتمد السيادة الرقمية ومستوى المراقبة على الدولة التي تعيش فيها ومزود التكنولوجيا الذي تتبعه.
نهاية دبلوماسية النفط التقليدية:
الصراع القادم في الشرق الأوسط سيشهد نهاية دبلوماسية النفط التقليدية بدءاً بخروج الإمارات من منظومة أوبك وأوبك +. وستتحول الأيديولوجيا الاقتصادية من مجرد بيع النفط إلى ريادة تحول الطاقة، والتركيز على التكرير ومنتجاته لرفع قيمة الصادرات، حيث ستتحول المنطقة إلى مركز لـ الهيدروجين الأخضر والطاقة الشمسية. وستتأخر الدول التي ستكتفي بتصدير النفط الخام فقط.
أيديولوجياً، تحاول دول الخليج إثبات أن التحديث السلطوي هو الطريق الأسرع لإنقاذ كوكب الأرض، مقارنة بالنقاشات المناخية الديمقراطية البطيئة في أوروبا وأمريكا. المواجهة المباشرة وحروب المنطقة الرمادية ستشهد تغيراً جذريا مع تبني الولايات المتحدة لأيديولوجيا نفعية تعتمد على التدخل فقط عند تضرر مصالحها المباشرة، ستبدء القوى الإقليمية في أخذ زمام المبادرة.
فتركيا ستروج لأيديولوجيا الوطن الأزرق، وتوسع نفوذها البحري والعسكري في المتوسط وامتداداً إلى ليبيا في شمال أفريقيا وجيبوتي والصومال في القرن الأفريقي والسودان في البحر الأحمر.
إضافة إلى حلم الدولة السلجوقية (التورانية) الذي يسعى إليه الرئيس التركي لتكوين قطب تركي يضم الدول الناطقة بالتركية في آسيا الوسطى. وسنتحدث عنه في بحث لاحق.
على صعيد الفجوة الإنسانية التي أصبحت ثانوية الاهتمام. فبينما يركز اللاعبون العالميون على بقائهم الأيديولوجي- تواجه المناطق المنسية، مثل السودان واليمن وأفريقيا فراغاً سياسياً. ولكن الصراع بين هذه الأقطاب على الموارد وخصوصا الذهب واليورانيوم، في غياب شرطي عالمي، يؤدي لدعم ميليشيات محلية لتسيطر على هذه المناطق، وهذا يزيد من حالة من عدم الاستقرار الدائم في هذه المناطق وما تخلفه تلك الميليشيات ورائها من جرائم يتجاهلها العالم ما لم يؤثر على أسعار النفط أو طرق الهجرة.
لقد ابتعد العالم عن المثاليات الليبرالية الغربية البراقة -التي كانت تتبجح بشعارات حقوق الإنسان- نحو نموذج واقعي جديد حيث القوة والاقتصاد والبقاء الوطني هي الأيديولوجيات الوحيدة التي تحرك المشهد. ومن هذا المنطلق أيضا لابد لدول الشرق الأوسط من إنهاء الصراع في هذه الدول ومساعدتها للتحول إلى سلة غذاء لتقليل الإعتماد على الأقطاب خارج الإقليم بسبب ما تملكه من موارد مائية وأراضي لتربية المواشي.
طرق التجارة العالمية: التي ستتصارع فيما بينها.
ستشهد تغييرا كبيراً في خريطة المنطقة بشكل ملموس. يتحول الشرق الأوسط إلى ساحة تنافس كبرى بين طرق حرير متوازية، حيث لا تُعد هذه المسارات مجرد طرق للنقل، بل هي أدوات لفرض السيادة الاقتصادية وتغيير التحالفات الجيوسياسية. ستعيد هذه الممرات رسم خريطة المنطقة:
ممر IMEC (الهند – الإمارات – إسرائيل -الشرق الأوسط – أوروبا):
هذا المشروع، الذي تدعمه الولايات المتحدة كبديل للمبادرة الصينية، يهدف لربط الهند بأوروبا عبر موانئ الإمارات وسكك حديد السعودية وصولاً إلى حيفا في إسرائيل. يسعى لتجاوز الاعتماد على قناة السويس (بتقليل زمن النقل بنسبة 40%) وتجاوز مضيق هرمز عبر السكك الحديدية العابرة لشبه الجزيرة العربية. سيشكل تحول جيوسياسياً عبر ربط الخليج بشكل عضوي مع الهند والغرب، مما يقلل من نفوذ إيران الجغرافي. وتبقى الخلافات المتفاقمة بين السعودية والإمارات عقبة أمام دخول السعودية في هذا الممر وبدونها لن يتحقق الربط البري.
مبادرة الحزام والطريق (BRI) الصينية:
تظل الصين اللاعب الأكبر من حيث الاستثمار القائم، مع التركيز على الموانئ الاستراتيجية والمناطق الحرة. فهي تمتلك التأثير المكاني في ترسيخ نفوذ الصين في موانئ جبل علي (الإمارات)، والدقم (عمان)، والدوحة (قطر)، مما يجعل الخليج حلقة وصل في طريق الحرير البحري. يحقق التحول الجيوسياسي حيث تعتمد الصين على استقرار دول مثل إيران لضمان تدفق الطاقة والسلع، مما يخلق توازناً مضاداً للمشاريع المدعومة غربياً.
طريق التنمية والممر الأوسط (تركيا والعراق):
حيث تسعى تركيا لترسيخ مكانتها كجسر إلزامي بين آسيا وأوروبا عبر مشاريع بديلة. كطريق التنمية الذي يحاول ربط موانئ الفاو في العراق بتركيا ثم أوروبا، وهو ممر يهدف لمنافسة IMEC وتأمين دور محوري للعراق في التجارة العالمية، سيتعزز إذا تم إضافة إيران لهذا الطريق بسبب سيطرتها على مضيق هرمز. وكذلك بريا حيث سيتم ربط الصين عبر أفغانستان بإيران والعراق وتركيا وربما تنظم سوريا ولبنان إليه.
الغرب اللوجيستي في السعودية:
بسبب الحرب الأخيرة حدث تحول استراتيجي في السعودية (البحر الأحمر) بسبب التوترات المستمرة في مضيق هرمز في 2026، حيث تعمل السعودية على تحويل ثقلها الاقتصادي نحو الغرب -بعد إهماله خلال العقود الماضية- في المدن اللوجستية تقوم ببناء قدرات هائلة على البحر الأحمر (نيوم، جدة) لتكون مراكز تصدير لا تعتمد على العبور عبر الخليج ولتجاوز مضيق هرمز. لكنها لن تستطيع أن تكون بديلا كاملاً عن مضيق هرمز وتعويض العجز الحاصل في الإمدادات خلال السنين القادمة. بل ستكون مكملة له. وسيبقى باب المندب عقبة كبيرة أيضا مالم تنسق السعودية مع الحوثيين وحل الأزمة اليمنية بشكل يضمن مصالح جميع الأطراف هناك.
من المضائق إلى الممرات البرية والسكك الحديدية:
الحرب التي قادتها أمريكا وإسرائيل ضد إيران ستعجل في تحول القوة من المضائق إلى الممرات البرية والسكك الحديدية، وتقليل أهمية المضائق المائية كهرمز، باب المندب، قناة السويس، وكذلك مضيق ملقا حيث من المرجح أن يكون نقطة الإختناق والصدام القادمة في محاول من أمريكا لتحويط الاقتصاد الصيني.
تسعى الصين حثيثاً عبر خطوط سكك الحديد عبر ميانمار وفيتنام وتايلاند وكمبوديا وكذلك أفغانستان وإيران، لتجاوز هذا الاختناق -ولايجب فهم الخلاف الأخير بين تايلاند وكمبوديا بمعزل عن هذا الصدام–.
تسعى الصين لتعويض الضغط القادم من المضائق لصالح شبكات السكك الحديدية العابرة للقارات وهذا سيسبب تقهقر كامل للسيادة الأمريكية وتسيدها العالمي بسبب البحار وإنهيار كامل لتربعها على عرش القطب الواحد.
الموانئ الذكية
ولكن سيبقى هناك دور مهم للموانئ الذكية حيث ستتحول الموانئ -حسب نجاح أي من هذه الممرات المتنافسة في فرض هيمنته عالمياً- على التجارة في تحويل موانئ مثل الجوادر وجاهبهار وبندر عباس وجبل علي والدقم وينبع وحيفا والفاو إلى نقاط ربط رقمية وطاقية، أنابيب هيدروجين وكابلات بيانات، والدول التي ستنجح في ربط نفسها بهذه الممرات مثل الإمارات والسعودية.
وربما ستتمكن السودان من تفعيل ميناء بورت سودان كميناء إقليمي أفريقي عبر ربطه بسكك حديد داخل القارة ليصل الدول المحيطة وربما عبر ليبيا أو مصر ليصل المتوسط. وستصبح هذه الموانئ مراكز مالية.
سوريا ولبنان
بينما قد تواجه الدول المستبعدة مثل سوريا أو لبنان حالياً عزلة اقتصادية أعمق. ولذلك لابد أن تسعى هاتان الدولتان لربط نفسيهما بما قبلهما من مواقع جغرافية كالعراق والسعودية والأردن، أما ربطهما بإسرائيل فلن يحقق لهما منفعة تذكر لأنهما ستكونان منافسين لها في إطلالتها على البحر المتوسط ولن تسمح لهما إسرائيل بالتفوق عليها أو أخذ دورها لو كانت معهما في نفس الحلف والمحور.
معضلة الأمن العالمي:
وهنا يظهر ما يسميه علماء السياسة الدولية معضلة الأمن العالمي في عام 2026. عندما تشعر القوة المهيمنة أن بساط الصدارة يُسحب من تحت قدميها، فإنها غالباً ما تنتقل من القيادة بالإقناع إلى القيادة بالإكراه، وهو ما يحولها بالفعل إلى قوة لا يمكن التنبؤ بأفعالها.
تعد بلطجة النظام الدولي الحالية أو ما يسميه الأكاديميون الواقعية الهجومية هي العقبة الأكبر أمام تحول الدول المتوسطة إلى أقطاب وظيفية مستقلة.
ففي عام 2026، لا تتخلى الولايات المتحدة عن أحاديتها طوعاً، بل تستخدم أدوات القوة الخشنة لإبطاء تدهور نفوذها. فهي ما زالت تستخدم سلاح الدولرة (إلغاء السيطرة المالية) أكبر أدوات الغطرسة الأمريكية تحويل الدولار إلى سلاح سياسي (Sanctions) في فرض العقوبات.
ورغم محاولات الدول التخلص من ذلك عبر نظام بريكس+ الذي بدأ في 2025 و2026 بتطوير أنظمة دفع بديلة (مثل mBridge) تتيح التبادل التجاري بالعملات المحلية بعيداً عن نظام سويفت الخاضع للسيطرة الأمريكية. لكن واشنطن ما زالت تفرض عقوبات ثانوية على البنوك في الدول المتوسطة التي تتعامل مع أعدائها.
مما يضع هذه الدول أمام خيار صعب للاندماج في النظام العالمي أو العزلة. كذلك ما زالت واشنطن تمارس الحمائية التكنولوجية (الابتزاز التقني) فهي تدافع عن موقعها عبر منع وصول الدول الصاعدة إلى التقنيات الحساسة (مثل رقائق الذكاء الاصطناعي المتطورة).
استراتيجية توطين المعرفة:
دول مثل السعودية، الإمارات، والهند تشترط نقل التكنولوجيا وبناء مراكز بيانات ضخمة على أراضيها مقابل الاستثمارات، لتجنب الاعتماد الكلي على الخنق التقني الأمريكي. لكن رد الفعل الأمريكي عبر الضغط على الحلفاء لمنعهم من استخدام البنية التحتية الصينية (مثل Huawei 6G) تحت تهديد وقف التنسيق الاستخباري والأمني.
ورغم ما حدث من حرب في الخليج وتدمير القواعد والمعسكرات الأمريكية هناك لكن واشنطن لاتزال تشترط الأمن مقابل التبعية، فهي لا تزال تمتلك أكبر شبكة من القواعد العسكرية والتحالفات الأمنية.
وكرد فعل تمارس الدول المتوسطة الآن الاستقلال الاستراتيجي. على سبيل المثال، السعودية وتركيا لم تعودا تطلبان الإذن الأمريكي للقيام بعمليات عسكرية أو عقد صفقات تسلح مع أطراف أخرى. هم يحاولون تحويل العلاقة من تابع ومتبوع إلى شراكة ندية.
بينما واشنطن تحاول سحب -أو التهديد بسحب- الغطاء الأمني في لحظات الأزمات لإثبات أن البديل (الصين أو روسيا) لا يمتلك القدرة على حماية المنطقة. ولكن الحرب الأخيرة أثبتت أيضا أن الحماية الأمريكية لم تعد مجدية بعد تحول دول الخليج من محمي مستنزف بحجة الحماية هذه إلى حامي للقواعد التي وجدت لتحميهم.
التآكل التدريجي:
حالة التآكل التدريجي للهيمنة الإمبراطورية الأمريكية هذه ستقود في النهاية للتخلص من الهيمنة والوعود المزعومة بالحماية وستؤدي لفقدان السيطرة على القرار الجماعي، حيث لم تعد أمريكا قادرة على إجبار العالم على طاعتها أو حتى الإستماع إليها في عزل روسيا وإيران بشكل كامل، لأن الجنوب العالمي أصبح يرى مصلحته أولاً، كما ترى أمريكا نفسها أولاً.
ويبقى ثمن التمرد الكامل في هذا الوقت مكلفاً فالدول التي تحاول الخروج تماماً من المظلة الأمريكية تواجه تهديدا مباشرا بالإبادة التامة، ولن تكتفي أمريكا الجريحة بالضغوط الإقتصادية وحملات التشويه الإعلامية أو دعم المعارضة الداخلية.
أمريكا تتصرف كـقوة جريحة، فهي لم تعد تملك الجاذبية الأيديولوجية ولا الاقتصادية لإقناع العالم، ولذلك بدأت تعتمد بشكل مفرط على قوتها العسكرية والتهديد المالي لفرض إرادتها.
والدول المتوسطة ستنجح في الإفلات من هذه الغطرسة تدريجياً عبر التكتلات الوظيفية، لكنها تدرك أن هذا الطريق مكلف ويتطلب نفساً طويلاً.
الواقعية الجديدة في عام 2026، لحظة القوى المتوسطة:
وهنا تبرز الدول اليوم التي لم تعد ترى اهميتها حسب حجمها الحقيقي على الخارطة بل بمقدار تاثيرها وأهمية حجم السيولة لديها ولذلك فقبول الدول باعادة الترتيب سياخذ وقتاً وربما بعد صدام مرير يقود لاندثار كثير من الدول حيث يدرك العالم ضرورة صياغة قواعد جديدة للتعايش.
ففي الواقعية الجديدة في عام 2026. لم يعد تأثير الدول يُقاس بالكيلومترات المربعة، بل بـالوزن الوظيفي والقدرة على التحكم في التدفقات المالية، وعقود الطاقة، وبراءات الاختراع التقنية. هذا التحول من المساحة الجغرافية إلى القوة الجيواقتصادية يجعل العصر الحالي خطيراً للغاية، حيث يظهر صراع عدم اتساق المكانة.
فهناك فجوة هائلة بين القوة المؤسسية (المقاعد في مجلس الأمن، حقوق التصويت في صندوق النقد) والقوة الفعلية (الثروات السيادية، القيادة التكنولوجية). فالقوى التقليدية (مثل أوروبا وأمريكا) تتمسك بمكانتها المؤسسية باستخدام البلطجة والتهديد العسكري وفرض الرسوم والعقوبات.
بينما الأقطاب الوظيفية الصاعدة مثل دول الخليج، الهند، البرازيل، جنوب أفريقيا، تركيا، إيران، مصر، باكستان. الجزائر، المغرب، ماليزيا، سنغافورة، إندونيسيا وغيرها من الدول، تطالب بمكانة تتناسب مع حجم سيولتها ومواردها المهمة في الاقتصاد العالمي وحصتها في السوق وأهميتها الجيوإستراتيجية. وهذا يعزز فرضية الصدام المرير وحتميته، لأن المكانة لا تُمنح طواعية، بل تُنتزع انتزاعاً.
وسنشهد عصر اندثار الدول حيث يؤدي إعادة الترتيب هذا إلى اختفاء دول معينة. في عام 2026، نرى نوعين من الدول المهددة بالخطر. على رأسها الدول الغارقة في الديون، وهي الدول التي فشلت في الانضمام إلى قطب وظيفي وتغرق في ديونها، مما يفقدها سيادتها لصالح الدائنين.
والدول ضحايا الجغرافيا، وهي الدول الصغيرة الواقعة على خطوط الاحتكاك لـطرق التجارة أو الموارد، والتي قد تتعرض للاستيعاب أو التفتيت من قبل العمالقة المحيطين بها، إن لم تدخل معهم في أحلاف إقليمية ودولية لحماية نفسها.
السيولة كسلاح حرب:
وستستخدم السيولة كسلاح حرب في هذا النظام، سيمثل السحب المفاجئ للسيولة أو تجميد الأصول الرقمية خطورة توازي الضربات الصاروخية. عندما تعامل الدول اقتصاداتها كحصون، تتفكك المشاعات العالمية والقواعد المشتركة التي كانت تدير العالم.
وستتحلل الشركات العابرة للقارات (وقد شركت ذلك في مقالة سابقة عن الليبرالية الجديدة والتيه العالمي) لحين ظهور عالم ما بعد التصادم. حيث يعلمنا التاريخ أن قواعد التعايش الجديدة تُكتب دائماً تقريباً في أعقاب صدمة هيكلية (مثل صلح وستفاليا بعد حرب الثلاثين عاماً، أو بريتون وودز بعد الحرب العالمية الثانية).
فالعالم حالياً في مرحلة الاحتكاك، وهدف القوى المتوسطة البراغماتية اليوم ليس منع التصادم —الذي يراه الكثيرون حتمياً— بل ضمان امتلاك ما يكفي من السيولة والسيادة الدفاعية لتكون هي من ينجو ويشارك في كتابة القواعد الجديدة.
وبينما نتجه نحو عالم تحدد فيه الثروة شكل الخريطة، ومن المرجح أن يكون الانتقال بمثابة تدمير خلاق على نطاق عالمي. ولكننا سنشهد اندثار الدول أو تقلصها لامحالة، بينما نتجه نحو عالم الإمبراطوريات الإقليمية حيث تدير بضعة قوى عظمى مجالاتها المحلية بدلاً من وجود أكثر من 190 دولة مستقلة كما نرى اليوم.
استراتيجية البقاء لدى الدولة الوطنية:
تبقى استراتيجية البقاء لعام 2026 لدى الدولة الوطنية التقليدية، هي النجاة باقل قدر من الخسائر قبل صياغة القواعد. وضمان مقعد على الطاولة أ-و على الأقل أن لا تكون على قائمة الطعام- سيكون هو الهدف الذي ستسعى له هذه الدول ولكنها اصبحت ضعيفة لحماية نفسها ولابد لها من تشكلات قومية وتحالفات اقليمية ودولية للنجاة.
فالدول الوطنية بصيغتها المنعزلة التي عرفناها في القرن العشرين، أصبحت أضعف من أن تصمد أمام صدمات النظام العالمي الجديد، سواء كانت صدمات مالية، تقنية، أو عسكرية.
ولضمان مقعد على الطاولة التي ستُصاغ عليها القواعد الجديدة، تتحرك الدول نحو التكتلات الاستراتيجية معتمدة على منطق الانتقال من السيادة الوطنية إلى السيادة المشتركة. حيث تدرك الدول أن بقائها فرادى وتتحدث عن الاستقلال التام أصبح الآن نقطة ضعف. لذا، هي تقايض جزءاً من استقلال قرارها السيادي مقابل الحماية التي قد يوفرها أي درع اقتصادي أو أمني أكبر يستطيع حمايتها.
فعلى صعيد التكتلات الإقليمية نرى تعاظماً في التعاون بين منظمات مثل مجلس التعاون الخليجي و آسيان، ليس للتجارة فحسب، بل كأصوات جيوسياسية موحدة لا يمكن للقوى المتنمرة تجاهلها. تأكيداً لمبدء (تأبى العصي إذا اجتمعن تكسراً ، وإذا افترقن تكسرت أحادًا) في التكتلات القومية (الهويات العابرة للحدود) لم تعد الحركات القومية محصورة في حدود دولة واحدة، بل أصبحت عابرة للحدود.
فالدول تبحث عن حلفاء يشاركونها نفس الحمض النووي الثقافي أو الأيديولوجي مثل العالم التركي بقيادة تركيا، أو هوية الجنوب العالمي، هذه التحالفات توفر جبهة أخلاقية وثقافية ضد فرض القيم الليبرالية الغربية عليها.
البنية التحتية المشتركة:
كما تحاول الدول النجاة عبر الاندماج في البنية التحتية المشتركة، فالدول الأكثر أماناً في 2026 هي التي جعلت من نفسها عُقَداً لا يمكن الاستغناء عنها في الشبكات العالمية. معتمدة على مبدء إذا كانت الدولة تستضيف خوادم البيانات الرقمية لمنطقة بأكملها. أو تقع عند ملتقى ممرين تجاريين رئيسيين (مثل ممر الهند-أوروبا أو طريق الحرير)، فإن بقاءها يصبح مصلحة عالمية.
في هذه الحالة، يدافع الحلفاء عن الدولة ليس بدافع الصداقة، بل لحماية استثماراتهم وخطوط إمدادهم الخاصة. (وقد أفردت مقالة كاملة خاصة حول السيناريو المتفائل في خلق شرق أوسط جديد وتقديم ضمانات متبادلة. وإنشاء عملة موحدة منشور على منصة strategicfile.com).
تكلفة المقعد على الطاولة التي ستدير هذا النظام:
وهنا سيظهر سؤال مهم في ظل تشكل النظام العالمي الجديد ماهي تكلفة المقعد على الطاولة التي ستدير هذا النظام وما هي رسوم الجلوس على طاولة النظام العالمي الجديد؟
هل ستكون الدول التي توفر السيولة عبر الصناديق السيادية (مثل دول الخليج، سنغافورة، النروج)؟
أم الدول التي توفر الموارد الحيوية المهمة للذكاء الإصطناعي أو الموارد الحيوية كالنفط واليورانيوم مثلا (كدول أوبك أو البرازيل أو الكونغو)؟
أم الدول التي توفر الأمن والجغرافيا (مثل مصر أو تركيا)؟
أو الدول المسيطرة على المضائق العالمية كإيران (هرمز) وحلفائها في اليمن (باب المندب)، ماليزيا وإندونيسيا (ملقا)، مصر (السويس)، تركيا (البوسفور)، الدنمارك (البلطيق أودينسا)، والمغرب وإسبانيا وبريطانيا في جبل طارق، وباناما؟
أم سيبقي العالم تسيطر عليه الدول التي تمتلك السلاح النووي وتمنع دول أخرى من الحصول عليه؟
وهذا ما سنحاول الإجابة عنه في الأجزاء اللاحقة. لكن الأكيد في النظام العالمي الجديد أن أولئك الذين لا يقدمون سوى حدود على الخريطة فهم الأكثر عرضة للاندثار أو التقسيم. نحن نشهد نهاية الدولة الصغيرة كفاعل مستقل.
المستقبل هو للمراكز الإقليمية والتحالفات الحضارية والوظيفية. ومن يفشل في الاندماج في كتلة إقليمية أو وظيفية قوية قبل الاصطدام الكبير، سيجد نفسه -على الأرجح- على قائمة الطعام (كضحية) لا جالساً حول الطاولة.
الجزء الأول: أمريكا أولاً، تجليات انكماش هيمنة الإمبراطوريات الجريحة في ظل إعادة التشكيل الهيكلي، وتشكل النظام التكسيري Fragmented Order.
الجزء الثاني: الإنتقال إلى القرصنة واستراتيجية انتظار التآكل التدريجي.
الجزء الثالث: القسم الأول: أبرز اللاعبين في الشرق الأوسط وأيديولوجياتهم في النظام العالمي:
الجزء الثالث: القسم الثاني: طبيعة الخلافات والمصالح الجيو إستراتيجية بين إيران وتركيا وباكستان والهند والدول المحيطة بها جميعا في آسيا الوسطى.
الجزء الرابع: مقومات تشكل الأقطاب في ظل حتمية الصدام والانفجار الكبير وعالم ما بعد الانفجار، اقتصاد الواقعية الصلبة.




