ازمة لبنانالاحدث

لبنان بين ثالوث ثيوسيديدس الشهير (الخوف والمصلحة والشرف) | بقلم حيدر المنصوري

 

في واحدة من أخلد الحوارات الفكرية الوجودية التاريخية التي سجلها المؤرخ اليوناني ثيوسيديديس في كتابه تاريخ الحرب البيلوبونيسية، جرت بين ممثلي إمبراطورية أثينا الغاشمة وأعيان جزيرة ميلوس الصغيرة والمحايدة.

عندما تذرع أهل ميلوس بالحق، والعدالة، والأمل في نجدة الحلفاء، رد الأثينيون بعباراتهم الصادمة التي أصبحت حجر الأساس في المدرسة الواقعية:

«إن الحق والعدالة لا وجود لهما في صراع القوى إلا بين الأنداد؛ أما في الواقع، فالقوي يفعل ما تسمح به قوته، والضعيف يعاني ما يتحتم عليه معاناته».

تُعَد القدرة على فرز الجبهات وتحديد العدو من الصديق حجر الزاوية في بناء أي استراتيجية دولية ناجحة. ومع ذلك، يزخر التاريخ السياسي والعسكري بفخ متكرر ومأساوي، وهو العجز عن التمييز الدقيق بين الحليف الحقيقي، والخصم المستتر، والعدو الوجودي. وهذا ما يسمى في العلوم السياسية بالعمى الإستراتيجي.

هذا الإخفاق المعرفي لا يمثل مجرد هفوة دبلوماسية، بل هو خطيئة استراتيجية مميتة تقود الدول مباشرة إلى استنزاف مواردها، وتفكك تحالفاتها، وفي كثير من الأحيان، سقوط أنظمتها.

اليوم، يجد لبنان نفسه في تموضع جيوسياسي يشبه إلى حد التطابق مع مأزق أهل ميلوس؛ دولة صغيرة الحجم، تقع على خط زلازل إقليمي، محاصرة بين فكي قوى عظمى وإقليمية لا تقيم وزناً إلا للقوة.

ومع ذلك، فإن الفخ الأكبر الذي يهدد لبنان ليس حجمه، بل هو العجز الاستراتيجي عن تحديد العدو من الصديق، وهو الإخفاق المعرفي الذي يُمثل خطيئة قاتلة تُفكك عناصر قوته وتدفعه نحو الفناء الجيوسياسي تحت وطأة ثالوث توسيديديس الشهير: الخوف، والمصلحة، والشرف.

التفكيك المعمق للثالوث التوسيديدي: الخوف، والمصلحة، والشرف

على لسان الوفد الأثيني في أسبارطة، يوضح توسيديديس أن هذا الثالوث يمثل تدرجاً في الدوافع، وليس مجرد عناصر متساوية:

 

فالخوف (Fear/Deos):

هو المحرك الأول والأكثر عقلانية؛ إنه الخوف على البقاء أو الخوف من صعود قوة منافسة (وهو ما يُعرف اليوم بـ المعضلة الأمنية). الخوف يدفع الدول لبناء تحالفات متينة لضمان التوازن.

 

ثم تأتي المصلحة (Interest/Kerdos):

وهي السعي وراء المنفعة المادية، والتوسع الاقتصادي، والسيطرة الجغرافية. المصلحة قابلة للحساب والمساومة، ويمكن للدول العاقلة أن تتفاوض حولها لمنع الحرب.

 

وأخيراً يأتي الشرف أو الكبرياء (Honour/Timi):

هذا هو المحرك الأكثر خطورة، إنه يتعلق بالهيبة، والسمعة، والمكانة الدولية، وتجنب الإهانة. الشرف في نظر ثيوسيديديس هو لعبة صفرية (إما أن تكسبه أو تخسره كاملاً)، وحين تطغى العاطفة والكبرياء الوطني على حسابات المصلحة والخوف العقلاني، تبني الدول تحالفات انتحارية لحماية سمعتها وتفقد قدرتها على رؤية التهديد الحقيقي.

محاورة ميلوس (Melian Dialogue) – ذروة غطرسة الشرف والمصلحة:

في هذا المشهد الشهير، طالبت أثينا جزيرة ميلوس الصغيرة والمحايدة بالاستسلام ودفع الجزية، معتمدة على مبدأ القوة العارية: )الأنقياء والملوك يفعلون ما تسمح به قوتهم، والضعفاء يعانون ما يتحتم عليهم معاناته(.

رد أهل ميلوس برفض الاستسلام بناءً على الشرف والأمل في أن تهب أسبارطة (التي تربطهم بها صلة قربى) لنجدتهم بناءً على العهد والشرف المشترك. وقعت ميلوس في فخ التحالف الوهمي القائم على العاطفة والشرف، ولم تحسب ميزان القوى ببرود.

في المقابل تجاهلت أثينا المتغطرسة دافع الخوف من تحول جيرانها إلى أعداء موتورين، واكتسحت ميلوس وقتلت رجالها واستعبدت نساءها. لكن هذا السلوك المتغطرس القائم على المصلحة الجشعة والشرف الزائف أدى لاحقاً إلى تكتل كل الإغريق ضد أثينا وسقوط إمبراطوريتها.

الثالوث التوسيديدي في القراءة اللبنانية: تضارب المحركات

لكي نفهم كيف يسقط لبنان في فخ تحديد الأصدقاء والأعداء، يجب تفكيك كيف تتحرك الأطراف المعنية بالمشهد اللبناني بناءً على هذا الثالوث، وكيف تضيع البوصلة اللبنانية في المقابل:

الخوف (Fear)

في الحالة اللبنانية، يُعد الخوف هو المحرك الأكثر حضوراً، لكنه مجزأ ومقسوم عمودياً. بالنسبة لقوى المقاومة وعموم الشعب المتضرر تاريخياً من الاحتلال، فإن الخوف وجودي ومصدره دائم وثابت، أطماع إسرائيل العسكرية، واحتلالها المستمر للأراضي، وتهديدها للبنية التحتية.

أما بالنسبة لجهات لبناينة أخرى، فإن الخوف يتم تحريفه، حيث يجري تضخيم الخوف من السلاح الداخلي أو النفوذ الإقليمي الرديف ليصبح موازياً -أو حتى مقدماً- على الخوف من العدو الإسرائيلي المحتل.

هذا الانقسام في تعريف مصدر الخوف الوجودي هو أولى عتبات الإخفاق الاستراتيجي، إذ يعجز البلد الواحد بسبب إنقسام نٌخَبِه عن الاتفاق على ماهية التهديد الذي يهدد بقاءه.

المصلحة (Interest)

بينما تتعامل الولايات المتحدة وإسرائيل مع ملفات المنطقة بلغة أرقام باردة (تأمين حقول الغاز شرق المتوسط، حماية الحدود الشمالية لإسرائيل، دمج الاقتصاد الإسرائيلي إقليمياً)، يغرق لبنان في وهم المصلحة المرتكزة على الوعود الخارجية.

الخطأ الاستراتيجي القاتل هنا يكمن في اعتقاد بعض النخب اللبنانية أن مصلحة لبنان الاقتصادية (الخروج من الأزمة المالية، المساعدات الدولية) يمكن أن تأتي عبر بوابات الوسيط الأمريكي الذي يتظاهر بالحياد.

يُغفل هذا التفكير مبدأ الواقعية السياسية، أمريكا ليست جمعية خيرية، ومصلحتها الاستراتيجية العليا تقتضي أولاً الحفاظ على التفوق الإسرائيلي وثانياً سحق أي عناصر قوة لدى لبنان يمكن أن تهدد هذا التفوق.

وبالتالي، فإن الرهان على الأجنبي لإنقاذ الاقتصاد مقابل تقديم تنازلات سيادية هو استبدال للمصلحة الوطنية الحقيقية بانتحار ذاتي. وقد جربها الراحل ياسر عرفات وكلنا يعرف مآلاتها.

الشرف والهيبة (Honour)

كان أهل ميلوس يملكون شرفاً عاطفياً غير مسنود بالقوة، فرفضوا الاستسلام اعتماداً على الكبرياء والنخوة الأسبارطية المتوقعة، فكانت النتيجة إبادتهم. في لبنان، يتجلى الشرف بمفهومين متناقضين:

شرف شعاراتي وهمي:

يتجسد في الرهان على المجتمع الدولي، وقرارات مجلس الأمن، ونصوص القوانين الدولية التي لم تحمِ يوماً دولة ضعيفة. الاعتماد على هذا النوع من الشرف يُعمي الدولة عن رؤية حقيقة أن القوانين الدولية لا تُطبق إلا إذا حمتها مخالب صلبة.

الشرف ردعي حقيقي:

وهو الكرامة الوطنية المستندة إلى فائض القوة المادية (معادلة الجيش والشعب والمقاومة). هذا الشرف هو الذي يحسب له الأعداء ألف حساب، لأنه يُترجم في وعي العدو إلى خوف مادي من كلفة الحرب.

آليات السقوط اللبناني في فخ العدو والصديق:

ينبع الإخفاق اللبناني في تحديد جبهة الأصدقاء والأعداء من آفتين رئيسيتين تحكمان صناعة القرار والوعي السياسي في بيروت:

أولاً: الانحياز الأيديولوجي وتغليبه على الجغرافيا السياسية:

عندما تعادي أطراف لبنانية قوى إقليمية تقدم دعماً عسكرياً ولوجستياً مباشراً لحماية حدود لبنان وثرواته، فقط بسبب اختلافات أيديولوجية أو طائفية، بدل توظيفها لصالحها، وفي نفس الوقت تفتح الأبواب لوساطات أمريكية أو غربية تاريخها حافل بتغطية المجازر وتأييد الحروب الإسرائيلية، فإن الدولة هنا ترتكب خطأ قلب المفاهيم الاستراتيجية. إنها تستبدل الحليف الوجودي بالخصم المستتر، وتتعامل مع الشريك كأنه مهدد، ومع المهيمن كأنه منقذ.

ثانياً: فخ الحياد الأعزل في غابة الذئاب:

طرح فكرة الحياد المطلق في بيئة جيوسياسية ملتهبة، وعلى حدود كيان استيطاني توسعي كإسرائيل، مدعوم بحليف متماهي مع فكرته الإستيطانية التوسعية هو استنساخ حرفي لخطأ أهل ميلوس.

الحياد لا يُمنح كجائزة أخلاقية من الأقوياء، الحياد يحتاج إلى قوة هائلة تفرضه وتحميه.

في غياب هذه القوة، يصبح طرح الحياد وتجريد لبنان من عناصر قوته بمثابة دعوة صريحة للعدو للاستفراد به، وهو ما يعكس عمىً استراتيجياً يخلط بين الرغبات الوردية والواقع الدموي للعلاقات الدولية.

مقارنة هيكلية: مأزق ميلوس وميزان القوة اللبناني

أهل ميلوس في النموذج الثيوسيديدي راهنوا على النخوة والوعود الشفهية لحليف بعيد وهو أسبارطة. وفي مفهوم الشرف، راهنوا على شرف أخلاقي مجرد من القوة المادية مما أدى إلى سحق الجزيرة.

وكان الخطأ الاستراتيجي، العجز عن تصديق غطرسة أثينا وظنْ أن الأخلاق تحكم الحروب. والنتيجة الحتمية عند التفريط، هي الإبادة الشاملة واستعباد النساء والأطفال.

أما الدولة اللبنانية في الواقع المعاصر فقد راهنت على المجتمع الدولي والوساطة الأمريكية المخادعة. وفي مفهوم الشرف راهنوا على انقسام بين شرف قانوني واهم. وشرف ردعي مادي موعود بتجهيز الجيش بمعدات عسكرية متطورة يحمي الحدود. تحول إلى معدات مهترأة لغرض حراسة المحتل وعدم إلحاق أي آذى به. وهذا الوعد كان وما زال موجوداً منذ مدة طويلة ولم يتحقق إطلاقاً. ولا يُذكر إلا خلال أي مفاوضات تجري ثم يتم تناسيه لاحقاً.

وكان الخطأ الاستراتيجي الحتمي هو العجز عن تحديد أن واشنطن وتل أبيب جبهة واحدة، وتصوير الوسيط كصديق.

والنتيجة الحتمية عند التفريط كانت التفكك البنيوي، خسارة الثروات، وتحول البلد إلى ساحة مستباحة وفتنة طائفية داخلية يراهن عليها العدو لتمزيق البلد، تجنبه المواجهة وتقلل عليه كلفة الحرب الباهضة.

كيف يقراً الاستراتيجيون الجُدد ثالوث ثيوسيديديس؟

تحليل الجذور الفلسفية للأزمة، وما الذي يضلل القادة في هكذا مواقف، يرى سببها المفكرون الاستراتيجيون الكبار أزمة تحديد العدو والصديق، وهي نابعة من تغليب العواطف أو الأيديولوجيا الجامدة على الحسابات الجيوسياسية الباردة.

ثيوسيديديس (Thucydides) في كتابه تاريخ الحرب البيلوبونيسية، أشار إلى أن محركات سلوك الدول الكبرى هي الخوف، والمصلحة، والشرف. عندما تفشل الدولة في قياس مخاوف جيرانها أو مصالحهم الحقيقية، فإنها تبني تحالفات وهمية مبنية على الشرف الوهمي أو العاطفة، مما يعميها عن التهديد الحقيقي.

أعاد كبار مفكري الجيوإستراتيجيا والعلاقات الدولية في العصر الحديث تفكيك هذا الثالوث وتطبيقه على الصراعات المعاصرة:

روبرت غيلبين (Robert Gilpin) – مدرسة الواقعية الهيكلية

يعد غيلبين من أبرز من حللوا توسيديديس في العصر الحديث. يرى في كتابه War and Change in World Politics أن الشرف والمصلحة هما محركا الدول الصاعدة لتغيير النظام الدولي، بينما الخوف هو محرك الدولة المهيمنة العجوز.

الخطر يكمن في أن الدولة المهيمنة تسيء فهم التنافس الاقتصادي (المصلحة) وتعتبره تهديداً وجودياً (خوف)، فتبني تحالفات عاطفية لحفظ هيبتها الدولية (الشرف)، مما يعجل باندلاع حرب مدمرة.

غراهام أليسون (Graham Allison) – مفهوم فخ توسيديديس

في كتابه الشهير Destined for War، ركز كيف يؤدي الخوف غير العقلاني المتولد لدى القوة القائمة (مثل الولايات المتحدة اليوم) من صعود القوة الجديدة (مثل الصين) إلى سوء تقدير النوايا.

يحلل أليسون كيف تقع الدول في خطأ عدم تحديد الصديق من العدو عندما تبدأ في تفسير كل خطوة تجارية أو تكنولوجية من الطرف الآخر على أنها عداء عسكري، مما يدفع الأطراف إلى بناء تحالفات استقطابية متشنجة تزيد من احتمالات الاصطدام بنسبة عالية.

دونالد كاجان (Donald Kagan) – المؤرخ الاستراتيجي لجامعة ييل

في كتابه On the Origins of War، قدم تحليلاً فريداً للشرف عند ثيوسيديديس. جادل كاجان بأن المحللين المحدثين يخطئون باختزال العلاقات الدولية في الأمن والمصلحة المادية فقط.

ويرى أن الشرف والهيبة (Honour and Prestige) هما في الحقيقة قلب الأمن الاستراتيجي، لأن الدولة التي تفقد هيبتها وتترك حلفاءها دون حماية بذريعة المصلحة المادية الباردة، تبعث برسالة ضعف تشجع الأعداء على مهاجمتها.

لذلك، يرى كاجان أن الإخفاق الكارثي يحدث عندما تعجز الدولة عن الموازنة، فلا هي تحافظ على هيبتها بعقلانية، ولا هي تحسب مصالحها ببرود، بل تندفع وراء أوهام أيديولوجية وعاطفية تسميها شرفاً وهي في الحقيقة انتحار استراتيجي.

جون ميرشهايمر (John Mearsheimer)

لحماية الدولة من هذا الإخفاق الكارثي، يضع جون ميرشهايمر (John Mearsheimer) قواعد ذهبية.

الدول ليس لها حلفاء دائمون أو أعداء دائمون، بل لها مصالح دائمة. مستنداً إلى الإرث الواقعي للورد بالمرستون، يفكك جون ميرشهايمر الخطاب الأيديولوجي، يجب على الدولة ألا تقيس علاقاتها بناءً على ما تقوله الدول الأخرى عن نفسها، بل بناءً على قدراتها العسكرية هي وتحركاتها على الأرض.

هنري كيسنجر (Henry Kissinger)

كيسنجر في كتابه الدبلوماسية يرى أن الدبلوماسية الناجحة هي التي تتعامل مع الحليف الحالي على أنه خصم محتمل في المستقبل، ومع الخصم الحالي على أنه شريك ممكن. الدول ليس لها حلفاء دائمون أو أعداء دائمون، بل لها مصالح دائمة، سيناريو العالم بلا أصدقاء دائمون يحافظ على مرونة الدولة في علاقاتها الخارجية ويمنع الصدمات الاستراتيجية.

يعلل ذلك بإن الصديق الذي ساعد الدولة في مرحلة التحرر أو البناء، قد يرى في نموها الاقتصادي أو العسكري اللاحق تهديداً له، وبالتالي تجب إعادة تقييم العلاقات بشكل دوري (كل 5 إلى 10 سنوات) بناءً على المتغيرات الجيوسياسية الجديدة. وهذا يسمى بالتحديث المستمر لـ خارطة التهديدات.

نيكولو ماكيافيلي (Niccolò Machiavelli):

حذر في كتابه الأمير من الاعتماد على القوات المساعدة أو الأصدقاء المؤقتين. واعتبر أن الصداقة في عالم السياسة لا تدوم إلا بدوام المصلحة، وأن القائد الذي يثق في ولاء مطلق من دولة أخرى يرتكب انتحاراً سياسياً.

لماذا تقع الدول في هذا الخطأ؟ (منظور استراتيجي حديث)

في الأدبيات الاستراتيجية المعاصرة، يفسر المفكرون هذا الفشل عبر ثلاثة عوامل رئيسية:

العامل الاستراتيجي:

إصرار صُنّاع القرار على تفسير المعلومات الاستخباراتية بما يطابق أوهامهم أو رغباتهم السياسية. والنتيجة تجاهل مؤشرات الغدر من الحليف أو تضخيم عدائية طرف محايد.

 

الانحياز التأكيدي (Confirmation Bias):

عندما تفسر الدولة (ألف) التحركات الدفاعية للدولة (ب) على أنها عدائية، فتحشد ضدها، متحولة بذلك إلى عدو بالفعل. والنتيجة خسارة صديق أو شريك محتمل بسبب سوء الفهم.

 

مفارقة الأمن (Security Dilemma)وإهمال الواقعية الجيوسياسية:

البناء على خطابات الصداقة التاريخية أو الثقافية المشتركة وإهمال ميزان القوى والمصالح المتغيرة. والمفاجأة الاستراتيجية تظهر عند تغير بوصلة مصالح الحليف. نفس غرائز البقاء والطمع والخوف التي تحرك البشر هي نفسها التي تحرك الدول عند تحديد مصالحها وحلفائها.

تحليل المفاوضات اللبنانية-الإسرائيلية:

(سواء ملف ترسيم الحدود البحرية الذي أُبرم سابقاً، أو مفاوضات الخط الأزرق والترتيبات الأمنية البرية أو المفاوضات الحالية التي تدور والحرب المدمرة تدور رحاها) من منظور ثالوث توسيديديس، يفكك بدقة طبيعة الصراع والدور الأمريكي فيه.

في هذه الديناميكية المعقدة، تظهر الولايات المتحدة تاريخياً وجيوسياسياً كشريك استراتيجي ملتزم بأمن إسرائيل، لكنها تتبنى دبلوماسياً دور الوسيط المحايد (The Honest Cute Broker). هذا الأداء ليس تناقضاً أخلاقياً، بل هو أداة لإدارة موازين القوى تفرضها حسابات الثالوث نفسه:

تطبيق الثالوث على أطراف الصراع والمفاوضات

تتحرك الأطراف الثلاثة (لبنان، إسرائيل، والولايات المتحدة) بمحركات مختلفة تماماً من الخوف والمصلحة والشرف، مما يجعل التفاوض أشبه بالسير في حقل ألغام استراتيجي:

الخوف (Fear / Deos): المحرك الأساسي لتقديم التنازلات

الخوف في هذه المفاوضات ليس ضعفاً، بل هو الحساب البارد للعواقب الكارثية لأي مواجهة شاملة.

بالنسبة لإسرائيل، يتمثل الخوف في تهديد الجبهة الداخلية، وتعطل منصات الغاز (مثل حقل كاريش)، والصواريخ الدقيقة، وفقدان ميزة الردع الإستراتيجي. هذا الخوف الهيكلي هو ما دفعها للجلوس على طاولة المفاوضات والقبول بحلول وسط لم تكن لتقبل بها سابقاً.

بالنسبة للبنان، يتمثل الخوف في الانهيار الاقتصادي الكامل، والدمار الشامل للبنية التحتية، وخسارة القدرة على استثمار ثرواته الطبيعية لإنقاذ صيغته السياسية والاقتصادية.

دور الوسيط الأمريكي، هنا هو إستغلال هذا الخوف المشترك للضغط على لبنان للقبول بما تفرضه إسرائيل. فالولايات المتحدة توظف مخاوف لبنان الاقتصادية ومخاوف إسرائيل الأمنية لدفع الطرفين ظاهرياً نحو نقطة التقاء تخدم الاستقرار الإقليمي لتأكيد هيمنة حليفها، والذي تراه الوحيد الذي يخدم مصالحها وهيبتها في المنطقة والعالم وبعث رسالة للقوى المنافسة لتأكيد تفوقها وتربعها على عرش القطب الواحد. وهو نفس المنطق الأثيني وموقفه من أهل ميلوس.

المصلحة (Interest / Kerdos): لغة الأرقام والغاز والأمن

المصلحة هنا هي العنصر الأكثر عقلانية وقابلية للقياس والمساومة. فإسرائيل مصلحتها تكمن في تهدئة الجبهة الداخلية وفي استخراج الغاز بسلام، وتأمين حدودها الشمالية، ودمج اقتصادها في منظومة الطاقة شرق المتوسطية.

 

لبنان مصلحتها هي الحفاظ على إنسحاب المحتل من أرضها في الجنوب وعودة النازحين علاوة على حقوقه في حقل قانا، والبدء بالتنقيب التجاري لجلب الاستثمارات الأجنبية، ورفع الحصار المالي غير المعلن عنه.

 

الولايات المتحدة، مصلحتها الاستراتيجية العليا (خاصة بعد أزمة الطاقة العالمية وتداعيات الحرب الروسية الأوكرانية، وإغلاق مضيق هرمز من قبل إيران) تتطلب تأمين تدفق النفط والغاز لأسواق أوروبا، وتحجيم النفوذ الإيراني والروسي في شرق المتوسط.

ومنع عودة اشتعال حرب إقليمية قد تجر واشنطن إليها مرغمة، كما حصل في الضربة على إيران والتي تحولت إلى مأزق دولي لها ولهيبتها. ولذلك فهي تسعى لتفكيك الملفات بين لبنان وإيران، لأن توحيدها كما تريد إيران يعني تقديم تنازلات كبرى على الصعيدين في الخليج والبحر المتوسط وهذا يعني ظهورها بموقف الضعيف وإنهيار إحاديتها القطبية، وبالتالي تفككها، وإنهيار عالمية عملتها.

الشرف والهيبة (Honor / Time): العقدة الاستراتيجية الأصعب

الشرف عند ثيوسيديديس هو الدافع العاطفي والسياسي المرتبط بالكرامة، والسيادة، والصورة الذهنية، وهو المحرك الذي يصعب إيجاد تسويات حوله.

بالنسبة للبنان فهو يرفض أي صيغة تفاوضية توحي بالتطبيع أو الاعتراف المباشر بإسرائيل، لأن ذلك يمس كبرياءه الوطني وهويته السياسية. لذلك، يصر المحور الثنائي المقاوم في لبنان على أن تكون المفاوضات عبر وسيط، أو برعاية الأمم المتحدة، لضمان الحفاظ على الشرف السيادي. أما الحكومة فلا تجد مانعا من الإلتقاء المباشر.

 

بالنسبة لإسرائيل، يمثل الشرف لديها مفهوم الهيبة والردع. أي تنازل يُفسر على أنه تراجع أمام تهديدات المقاومة يعد طعنة في هيبتها العسكرية، وهو ما يجعل الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة تخوض صراعاً داخلياً مريراً لتسويق أي اتفاق على أنه إنجاز أمني وليس تراجعاً.

تفكيك الدور الأمريكي: الوسيط المتظاهر بالحياد

في العلوم الاستراتيجية، وتحديداً عند مفكرين معاصرين مثل هنري كيسنجر وجون ميرشهايمر، لا يوجد ما يسمى وسيطاً محايداً في القضايا الوجودية. تقع أمريكا هنا في خانة الوسيط المنحاز ذي المصلحة (Biased Mediator / Manipulator)، وينطبق سلوكها على الثالوث كالتالي:

توظيف مفارقة الأمن دائما لصالح إسرائيل، حيث تُدرك واشنطن أن دافع الخوف لدى إسرائيل أمني وجودي، لأنها لا تنتمي للأرض، وكل تحرك تفسره زوالاً لوجودها. بينما لدى لبنان اقتصادي-وجودي. لذا، تتظاهر بالحياد لتلعب دور المترجم الذي يحول المطالب الأمنية الإسرائيلية إلى شروط تقنية واقتصادية تُفرض فرضاً على لبنان (مثلما حصل في الخطوط البحرية أو الترتيبات البرية).

 

استغلال الشرف لتمرير المصالح:

تبرع الدبلوماسية الأمريكية في ابتكار مخارج تعطي لبنان شرفاً سيادياً شكلياً (مثل توقيع وثائق منفصلة مع الأمم المتحدة بدلاً من معاهدة ثنائية)، مقابل انتزاع تنازلات مادية في المصلحة لصالح أمن إسرائيل.

منظور ميرشهايمر (الواقعية الهجومية):

يرى ميرشهايمر أن القوة العظمى (أمريكا) لا تتحرك منطلقة من الأخلاق أو العدالة، بل لمنع صعود قوى منافسة والحفاظ على تفوق حلفائها (إسرائيل). الدبلوماسية الأمريكية المتظاهرة بالحياد هي مجرد غطاء ناعم لاستخدام القوة الصلبة (العقوبات، الضغوط المالية على لبنان) لتحقيق ما عجزت الحرب العسكرية عن تحقيقه.

الفخ الاستراتيجي الثيوسيديدي في هذه المفاوضات

الفخ الاستراتيجي القاتل الذي حذر منه ثيوسيديديس ينطبق على المفاوض اللبناني إذا وقع عمى التقدير، أي إذا ظن أن أمريكا وسيط محايد يمكن الرهان على عدالته، أو إذا غلّب طرف لبناني حسابات الشرف والكبرياء الشعاراتي على الحساب البارد لموازين القوى (الخوف والمصلحة).

سحق الشرف والكرامة الوطنية لدى الطرف الأضعف

وفي المقابل، تقع إسرائيل وأمريكا في الفخ إذا أفرطتا في دافع المصلحة والأمن وحاولتا إذلال لبنان ماديّاً أو سيادياً؛ لأن سحق الشرف والكرامة الوطنية لدى الطرف الأضعف، طبقاً لمحاورة ميلوس الشهيرة عند ثيوسيديديس، يحوله إلى عدو انتحاري يفضل تدمير المعبد على القبول بالعبودية، مما يعيد تفجير دافع الخوف الأصلي الذي بدأت المفاوضات من أجل الهروب منه.

 

المقاربة بين موقف لبنان وموقف أهل ميلوس (في محاورة ميلوس الشهيرة التي صاغها ثيوسيديديس) تكشف جوهر المأزق الذي تواجهه الدول الصغيرة عندما تجد نفسها محاصرة بين فكي قوى عظمى وإقليمية لا تعترف إلا بلغة القوة العارية.

إن إسقاط واقع ميلوس على واقع لبنان يظهر تشابهاً مذهلاً في البنية الهيكلية للأزمة، ولكنه يكشف أيضاً عن فروق جوهرية غيرت مجرى السيناريو الثيوسيديدي في الحالة اللبنانية:

 

أوجه التشابه بين ميلوس ولبنان تكمن في معضلة الحجم والموقع (بين المطرقة والسندان) فميلوس جزيرة صغيرة محايدة جغرافياً وثقافياً، وجدت نفسها محاصرة بين إمبراطورية أثينا البحرية الغاشمة وقوة أسبارطة البرية الحليفة.

ولبنان أيضاً دولة صغيرة الحجم، تقع في قلب خط زلازل جيوسياسي بين احتلال إسرائيلي مدعوم بأكبر قوة عظمى في التاريخ (أمريكا)، ومحور إقليمي صاعد وممتد.

الرهان على الحليف البعيد (أوهام الشرف والوعود)

أهل ميلوس رفضوا الاستسلام لأثينا بناءً على الأمل والشرف، راهنوا على أن أسبارطة (التي تربطهم بها صلة قربى) لن تقف متفرجة وسوف تهب لنجدتهم بدافع النخوة والعهد. لكن أسبارطة تخلت عنهم ببرود عندما حُسبت المصالح والخوف.

ولبنان، عبر تاريخه المعاصر، وقعت أطراف سياسية لبنانية متعددة في ذات الفخ؛ الرهان على وعود المجتمع الدولي، أو الضمانات الأمريكية، أو العمق العربي، أو المحاور الإقليمية. وفي كل محطة تاريخية فاصلة، كانت هذه القوى الخارجية تقدم مصالحها الكبرى أو تحمي ضعفها، وتترك لبنان ليدفع ثمن حروب الآخرين على أرضه.

منطق القوة الغاشمة (الأقوياء يفعلون ما يشاءون)

في المحاورة، قال الأثينيون لميلوس: العدالة لا توجد إلا بين الأنداد في القوة، أما في الواقع فالقوي يفعل ما تسمح به قوته والضعيف يعاني ما يتحتم عليه معاناته. هذا المنطق هو عينه الذي يواجهه لبنان في كواليس المفاوضات الدولية، حيث تُضرب القوانين الدولية وعشرات القرارات الصادرة عن مجلس الأمن (مثل القرار 425 سابقاً أو القرار 1701) بعرض الحائط، ولا يُطبق منها إلا ما يخدم أمن القوة المهيمنة (إسرائيل).

الفارق الجوهري: لماذا لم يلقَ لبنان مصير ميلوس الكارثي؟

رغم التشابه الشديد في الموقف، إلا أن التاريخ لم يكرر نفسه بالكامل في لبنان. فأهل ميلوس أُبيدوا واستُعبدوا لأنهم واجهوا القوة الغاشمة بأوهام الشرف والأمل فقط دون امتلاك أوراق قوة صلبة. أما في الحالة اللبنانية، فقد حدث تحول استراتيجي غيّر ميزان القوى:

 

امتلاك فائض القوة (الردع البديل)

تكمن هزيمة ميلوس في أنها كانت مجرد جزيرة معزولة بلا مخالب. في لبنان، تشكلت معادلة ردع عسكرية صلبة غير تقليدية ولا متناظرة (حرب العصابات، الصواريخ الدقيقة، شبكة الأنفاق، الطائرات المسيرة الحالية المعتمدة على خيوط الفايبر Fiber Optic FPV Drone التي إستنزفت الجيش الإسرائيلي وكلفته كثيرا من عناصره مؤخراً) عوضت ضعف الدولة الرسمي، وعدم السماح دولياً للجيش اللبناني بإمتلاك أسلحة تسمح له بالدفاع عن لبنان.

هذا الفائض من القوة الصلبة فرض على إسرائيل والولايات المتحدة حسابات الخوف، ولم يعودوا قادرين على التعامل مع لبنان كفريسة سهلة أو تطبيق منطق أثينا الغاشم عليه دون دفع ثمن باهظ جداً يهدد عمقهم الاستراتيجي.

صراع المحاور وليس العزلة

أهل ميلوس تُركوا وحدهم تماماً في لحظة الحقيقة. بينما لبنان، ورغم الانقسام الداخلي، يُعد جزءاً حيوياً من محور إقليمي ممتد يملك عمقاً استراتيجياً (تسليحياً ومالياً ولوجستياً)، وخصوصا في ظل تفعيل غلق المضائق الذي أثبت فاعليته بكفاءة مؤخراً، مما يجعل أي محاولة لاستدراج لبنان إلى سيناريو ميلوس (السحق الكامل) مغامرة قد تشعل حرباً إقليمية شاملة، وهو ما تخشاه واشنطن وتل أبيب.

الدرس الثيوسيديدي للبنان اليوم حتمية كسر الفخ

إن الدرس البليغ الذي يتركه لنا ثيوسيديديس، والتحذير الصارم الذي يوجهه تاريخ ميلوس لكل دولة صغيرة، هو أن الخطأ الاستراتيجي في تحديد الأعداء لا تُغتفر في محكمة التاريخ.

لبنان لا يملك ترف الخطأ في هذا المضمار. إن التعامل مع الولايات المتحدة كوسيط نزيه هو خطيئة معرفية، فالولايات المتحدة في هذا الصراع هي الامتداد الدبلوماسي والمالي والعسكري والأمني لإسرائيل.

كما أن محاولة تجريد لبنان من أوراق قوته الردعية بذريعة الاندماج في المنظومة الدولية هي دعوة لتكرار مصير ميلوس.

لحماية لبنان من هذا الفخ القاتل، يجب على النخب وصناع القرار فيه صياغة استراتيجية وطنية قائمة على الحسابات الباردة لـ الثالوث، (١) تحويل الخوف المشترك من العدو إلى رافعة للتضامن الداخلي. (٢) بناء المصلحة الاقتصادية والسياسية بناءً على تنويع الخيارات (٣) والتحالف مع من يدعم بقاء الدولة ويعزز وجودها، لا مع من يبتزها برغيف خبزها.

مالم يستوعب لبنان هذا الدرس الثيوسيديدي، فإنه سيبقى دائماً على بعد خطوة واحدة من السقوط في كارثة جيوسياسية محققة.

إن العبرة الأساسية من محاورة ميلوس، والتي تنطبق كإنذار دائم للبنان، تفيد بأن الدول الصغيرة لا تحميها نصوص القوانين الدولية، ولا وعود القوى الكبرى، ولا خطابات الشرف والمظلومية التاريخية.

إذا أراد لبنان ألا يلقى مصير ميلوس في أي مفاوضات أو تسويات إقليمية قادمة، فإن خياره الوحيد هو الحفاظ على عناصر قوته المادية والردعية وصياغتها ضمن استراتيجية دفاعية وطنية ذكية.

تمسّك لبنان بشرف الردع المادي الذي يوجع عدوه هو عامل النجاة الوحيد في السياسة الواقعية التي تدير خيوط النظام العالمي الجديد.

فالقوي على طاولة المفاوضات وفي أروقة الدبلوماسية لا يحترم الضحايا الذين يبكون على أطلال القوانين الدولية، بل يحترم فقط من يملك القدرة على إفساد مصالحه وإيذائه في عقر داره. بينما الحياد الأخلاقي الأعزل في غابة العلاقات الدولية هو أقصر طريق نحو الفناء الجيوسياسي.

لمن يود الاطلاع على الأجزاء السابقة:

حيدر المنصوري، خبير في الاتصالات والتكنولوجيا

حيدر المنصوري خبير في الاتصالات والتكنولوجيا، شغل منصبًا إداريًا في إحدى كبرى شركات الاتصالات في العراق، ويمتلك خبرة في إدارة العمليات وتطوير البنية الرقمية. يعمل حاليًا مستشارًا في القطاع، مقدمًا رؤى استراتيجية حول التحول الرقمي والأسواق. كما يهتم بالجغرافيا الجيو-استراتيجية وتأثيرها على القرارات السياسية، وله مقالات وبحوث في هذا المجال.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى