ألابرزأمنالاحدثالصورة الكبيرة

حرب يونيو67 مؤامرة خارجية وأخطاء داخلية

إشارات وتحذيرات والقاهرة غير منتبهة

الكاتب السياسي مجدى منصور يكتب عن خفايا نكسة يونيو(حزيران)67

يرى  البعض أن ما حدث في يونيو67 ، مؤامرة قد بُيتت بليلٍ، ولم يعرف عنها صانع القرار المصري شيئاً ، وذلك خطأ يقع فيه محبو جمال عبد الناصر ، فإسرائيل كانت منذ رئاسة كنيدي تُلح على كافة الأجهزة الرسمية والخفية في الولايات المتحدة الأمريكية على فكرة «إنه لو قامت الولايات المتحدة الأمريكية بتقديم كافة الوسائل العسكرية وحمت ظهر إسرائيل سياسياً ودعمتها اقتصادياً فإنها قادرة على الخلاص من المشكلة الكبرى لها ولأمريكا المسماة (جمال عبد الناصر)».

وزاد الالحاح على تلك الفكرة مع الرجل الذى خلف كنيدي بعد اغتياله ليندون جونسون بشكل أكبر وأعمق.

لكن ذلك لم يمنع من تسرب أنباء ذلك الاقتراح الذى تحول لسياسة واستراتيجية فيما بعد لعدد من الجهات والأشخاص.

وتُظهر الوثائق المتاحة بجلاء تام أن صانع القرار المصري قد جاءته تحذيرات عن نوايا الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل تجاهه ، بل إن بعض تلك التحذيرات كانت واضحة في أن هناك مؤامرة لجر مصر لحرب مع إسرائيل ولكن صانع القرار المصري في ذلك الوقت لم يُعطى تلك التحذيرات أهميتها ، ويتخذ للأمور عُدتها التي تستحقها منه ، كما سنرى. 

(1)

«إن هذه المسألة تهمكم انتم في الشرق الأوسط على الخصوص لأن جونسون ليس عنده الوقت الأن لمعالجة امور الشرق الأوسط وأزماته ، فهو يريد التفرغ لموضوع فيتنام ، وبما أنه لا يستطيع أن يهمل أو يستغنى عن الشرق الأوسط ولهذا فإنه بنصيحة أصحابه قرر أن يترك الزمام فيه لإسرائيل» اللورد هارليك للسفير محمد القوني.

في أول نوفمبر 1964 كتب السفير محمد القوني المندوب الدائم للجمهورية العربية المتحدة لدى الأمم المتحدة في نيويورك خطاباً شخصياً إلى الدكتور محمود فوزى نائب رئيس الوزراء للشئون الخارجية ، وبعث به إليه في الحقيبة الدبلوماسية. وقرأ الدكتور فوزى ثم كتب لجمال عبد الناصر مذكرة قال فيها بالنص:

« السيد الرئيس
تسلمت من السفير القوني خطاباً جاء في مشتملاته جزء رأى القوني ، وأوافقه بأن من المناسب أن أطلعكم عليه ، وقمت باستخراج هذا الجزء دون بقية الخطاب توفيراً لوقتكم حيث أن الخطاب في أصله شخصي ، ومما يكتبه الأصدقاء بعضهم لبعض.

مقدماً لكم التحية ، مع موفور الاحترام.
محمود فوزى »
 

وكانت الفقرات التي اختارها الدكتور فوزى من خطاب السفير القوني ليطلع الرئيس عبد الناصر كما يا لي: 

هناك مسألة تركتها لنهاية الخطاب وأترك لك تقدير أهميتها من عدمه ، وإذ وجدت لها أهمية فربما تنتهز أي فرصة وتضعها تحت علم السيد الرئيس – هذا مع العلم أنى أجدها مستوجبة للاهتمام وعلى العموم فإن الرأي أولاً وأخيراً لتقديرك ، والمسألة هي:

أول أمس كنا مدعوين أقامه المستر أدلاى ستيفنسون (رئيس الوفد الأمريكي الدائم في الأمم المتحدة ، كان المدعوين للكوكتيل عدد كبير. المهم كان بين المدعوين اللورد (هارليك) وهو كما تعرف السفير الإنجليزي في واشنطن وهو متداخل جداً في أوساطها السياسية وكان كما تذكر من أقرب المقربين للبيت الأبيض في عهد كنيدي ، وهو الآن لا يتورع عن انتقاد جونسون ويقارن كثيراً بين الرجلين لمصلحة كنيدي بطبيعة الحال ، وقد وجدت انتقاداته شديدة ودهشت من أنه لم يتحرج في ابدائها أمام ستيفنسون وهو مهماً يكن رئيس الوفد الأمريكي الرسمي ، ويمثل الرئيس الجديد كما كان يمثل الرئيس القديم.

والذى لاحظته ودعاني إلى الاندهاش أن ستيفنسون كان يظهر عليه أنه لا يعترض على ما يبديه اللورد هارليك حتى كدت أعتقد أنه يوافقه على ما يقوله ، وإنما يتحرج من أن يقوله بنفسه!

والأهم بعد ذلك أن موضوع التصعيد الأخير في فيتنام كان هو الموضوع الذى يستولى على اهتمام الجميع ويتحدثون عنه. وكان الجميع مستغربين لأمر جونسون بضرب فيتنام الشمالية ويضربون أخماساً في أسداساً عن الحقيقة ، وقد قال اللورد هارليك إن حادثة خليج تونكين مدبرة لكى يستطيع جونسون أن يتخذها عذراً لتصعيد الحرب مع فيتنام ، إذ أنه فيما يظهر سوف يجعل انتصار أمريكا في فيتنام هو أساس حملته الانتخابية للرئاسة وأثناء النقاش بيننا في هذه الأمور وجه اللورد هارليك حديثه إلي أمام ستيفنسون وبحضور سفير فرنسا وسفير بنما وسفير غانا وقال:

إن هذه المسألة تهمكم انتم في الشرق الأوسط على الخصوص لأن جونسون ليس عنده الوقت الأن لمعالجة امور الشرق الأوسط وأزماته ، فهو يريد التفرغ لموضوع فيتنام ، وبما أنه لا يستطيع أن يهمل أو يستغنى عن الشرق الأوسط ولهذا فإنه بنصيحة أصحابه قرر أن يترك الزمام فيه لإسرائيل لأنها تعرف المنطقة وهى في وسطها وما يجرى فيها يهمها أكثر مما يهم غيرها ، كما أنه ومما لا شك فيه أن مصالح الاثنين (أمريكا وإسرائيل) ليست بعيدة عن بعضها. ولم أبديت له أنى أجد ما يقوله شيئاً غريباً ، شرح المسألة هكذا:

أساس المشكلة في تقديره أن الرئيس جونسون متضايق أشد الضيق من السياسة المصرية من كل النواحي ، وهو ينتقد سياسة كنيدي ناحيتنا ويراها سياسة ضعيفة رسمها مستشارو كنيدي المتأثرون بالمدرسة الانجليزية وهو يقول أن في أيام لورانس لم يكن العرب ينتجون صواريخ وطائرات ويجيئون بعلماء المان وخلافه!

وقال اللورد هارليك انه سمع هو شخصياً من أقرب المقربين إلى جونسون أنه تأزم من الدور الذى تقوم به مصر ، والظاهر من كلامه أن مؤتمرات القمة التي اجتمعت في القاهرة ضايقت جونسون ، وكذا زيارة خروتشوف ، وكذا مؤتمر عدم الانحياز والمؤتمر الأفريقي بالذات يظهر أنه أثار أعصابه (أي جونسون) وحسبه على أنه مؤثر بالضرر على مصالح أمريكا وحلفائها من ناحية المواد الخام الاستراتيجية.

والنقطة التالية في كلام اللورد هارليك أن عنصر الوقت مهم لأن مصر تأخذ مكاناً أكبر من مكانها وتقوم بحشر غيرها ، وإذا تركوها بدون تعرض فالمسألة قد تتفاقم أخطارها في المستقبل ويصعب تداركها أو تصبح أصعب وأصعب في كل يوم.

وتعبير اللورد هارليك كان أنه إذا وجد جونسون نفسه أمام مشكلة في الشرق الأوسط وليس لديه الوقت الكافي لعلاجها ، فمن طبيعة الحال أن يعتمد على صديق أو حليف أو نائب عنه بصفة وكيل.

وإسرائيل تقدم نفسها إليه بهذه الصفة ، وبصفة اخلاصها وصداقتها الموثوقة القديمة معه.

وتحدث اللورد هارليك عن الفوائد التي يعود بها هذا الحل على جونسون :

هذا الحل يوفر الوقت لجونسون حتى يركز على فيتنام ، ويرتب كل الأوضاع في الشرق الأقصى مستفيداً أيضاً من الخلاف الصيني السوفيتي.

وهذا الحل يوفر له تأييد أصدقاء إسرائيل في أمريكا ، ويجعلهم يقفون صفاً واحداً مرصوصاً وراء سياسة جونسون في فيتنام وهذا مهم من ناحية تأثير اليهود على التيارات الليبرالية في أمريكا.

وهذا الحل مهماً تكون النتائج التي تنتج عنه لا يؤدى إلى تدخل دول كبرى أخرى فيما يحدث في المنطقة ، كما حدث في وقت السويس لأن المسألة ستكون في هذه الحالة مسألة محلية ومحدودة لا تستطيع أي قوة ، ولا حتى الاتحاد السوفيتي أن تدعى أنها أزمة عالمية.

إن هذا الحل بما معناه إطلاق يد إسرائيل في التصرف لن يؤدى إلى إغضاب كل العرب ، بل يمكن أن يكون فيهم من يكونوا سعداء إذا استطاعت إسرائيل حصر الدور المصري وخنقه ، وهذا على أي حال هو المطلوب الذي تبغيه السياسة الأمريكية.

ذكرني اللورد هارليك كذلك بما كان يدعيه الإسرائيليون في السنوات الأخيرة أنهم كانوا يقدرون وحدهم على هزيمة مصر سنة 1956 ، وأن اشتراك فرنسا وإنجلترا لم يساعدهم كما كان يقال ، وإنما أضر به دون شك. وقد ظلوا يقولون هذا ويطالبون الأمريكان بأن يعطوهم الوسائل وهم يقوموا وحدهم بالمهمة.

وقال اللورد هارليك أن عناصر كثيرة في البنتاجون والأمن القومي والمخابرات أصبحت تتبنى الدعوة إلى هذا الحل وتؤيده ، وأن هذا الحل هو أقرب ما يكون إلى استعداد الرئيس جونسون وميوله وما في ذلك من شك.

وكان ذلك تحذيراً مبكراً لصانع السياسة المصرية عن النوايا الأمريكية تجاهه.

 

(2)

«أرجوك أن تعرف أنهم خارجون لاصطيادك يا سيدى!» ذو الفقار على بوتو لجمال عبد الناصر

كان التحذير الثاني لصانع القرار المصري قادم من باكستان ، من السيد ذو الفقار على بوتو(كان وزيراً للخارجية الباكستانية ، ومن بعد رئيس لجمهورية الباكستان، وهو والد السيدة بنظير بوتو رئيسة وزراء الباكستان السابقة). كان بوتو طلب موعداً لمقابلة الرئيس وبالفعل قابله الرئيس في يوليو1966  و فتح بوتو قلبه وعقله للزعيم عبد الناصر، وكان أبرز ما قاله:

«أنى شعرت أن من واجبى أن أجئ إليك لأضع تحت تصرفك بعض مما أعرفه عن الأوضاع التي سوف تؤثر في مصائر كل المعتقدين بإمكانية الحرية والتنمية في آسيا وأفريقيا».

وأضاف بوتو: «إني أرجوك أن تسمع منى لأنى أشعر أن من واجبى أن أتحدث إليك بصراحة ، خصوصاً أن ما أريد أن أتحدث فيه هو نفسه في إطار مخاوفي ، ومعرض لخطر شديد».

واستطرد بوتو وقد ارتفعت نبرة صوته: «أرجوك أن تعرف أنهم خارجون لاصطيادك يا سيدى!They are out to get sir»

وكان جمال عبد الناصر يسمع باهتمام وتركيز ، وقال بوتو:

إن السياسة الأمريكية قد بدأت تدخل في مرحلة نشيطة في آسيا وأفريقيا ، وقد أخذت وكالة المخابرات المركزية الأمريكية توجيهات من الرئيس جونسون شخصياً باتباع سياسة هجومية في كل مكان ، وغم مأزقهم العسكري في فيتنام فقد أصبحوا يعتقدون أن الموقف الدولي ملائم ، فهناك من وجهة نظرهم فرصة سانحة في أكثر من موقع من العالم.

  • ·       فهم يعتبرون أن القيادة السوفيتية الحالية أظهرت رغبتها في التراضي معهم بأي ثمن وهذه فرصة سانحة.
  • ·       وهم يعتقدون أن النزاع الصيني السوفيتي يُقسم العالم الشيوعي إلى معسكرين متخاصمين. وهذه فرصة سانحة أخرى.
  • ·       وهم يعتقدون أن الحرب الهندية الباكستانية قسمت شبه القارة الهندية وتلك فرصة سانحة ثالثة.
  • ·       وهم يعتقدون أن العالم العربي قد انقسم إلى جهتين: فهناك دعاة القومية العربية ، وقد نشأت في مواجهتهم اخيراً فكرة المؤتمر الإسلامي ، وهذه فرصة سانحة رابعة.
  • ·       وفى أفريقيا فإن كل دولة إفريقية في أوضاعها الحالية تمثل فرصة سانحة.

ولقد ترسب لدى شعور بأنهم قرروا أنهم يستطيعون مواصلة هدفين في نفس الوقت: تحقيق انتصار عسكري في فيتنام ، وتحقيق انتصارات سياسية في أي مكان يهمهم من العالم الثالث وحيث يشعرون أن مصالحهم مهددة من قبل أي حركات سياسية أو زعامات لها وضع خاص ، « والاسلوب الذى قرروه لذلك هو أسلوب الاعتماد على طرف محلى يساعدونه بكل الوسائل الظاهرة والخفية ، ويحقق لهم بالوكالة ما يطلبونه لأنفسهم».

تعليق:

كانت تلك الفترة هي التي خرجت فيها استراتيجية رجل «البوليس المحلى» وكانت إسرائيل أول من حملت الشارة ، ومن بعدها إيران الشاه في الخليج.

(انتهى التعليق وعودة للسياق من جديد).

وكان جمال عبد الناصر يسمع باهتمام . وواصل بوتو حديثه ، فشرح الضغوط الأمريكية لمساعدة إنشاء المؤتمر الإسلامي كبديل لحركة القومية العربية ، وقال إننا كنا نسمع عن فكرة مؤتمر إسلامي يشجعه الملك فيصل ومعه عدد من أصدقائه بينهم شاه إيران.

وقد كنت في اجتماع للوزراء خارجية الحلف المركزي في اسطنبول حينما جاءنا أول إعلان عن إقامة المؤتمر وكان راسك (وزير الخارجية الأمريكي وقتها) متحمساً للفكرة ، وقد تحدث محبذاً لها مع الأتراك ومع الايرانيين ومعي.

ولاحظت أنه لم يكن قادراً على كتم مشاعره ، فقد قال في حضوري لوزير خارجية تركيا «إن هذا العمل هو الشيء الوحيد الذي يمكن أن ينجح في محاصرة نفوذ مصر».

وكان جمال عبد الناصر مازال يتابع حديث بوتو الذي أضاف:

لقد كان على بعد ذلك أن أذهب إلى إيران ، وهناك قابلت الشاه ، وعرضت عليه مخاوفي ، وقد وافقنى على بعضها وقال لي (أي الشاه):

«إنهم إذا كانوا يقيمون مثل هذا الحلف لمواجهة ناصر ، وحصر نفوذه ، فإنهم لن ينجحوا ، فأنت تعرف هؤلاء العرب كما أعرفهم أنا. وهم لا يستطيعون أن يواصلوا معركة إلى النهاية. وسوف تجدهم يتوقفون قبل نهاية الطريق ، وإذا كان ضرورياً تحقيق الهدف الذي يتحدثون عنه فلابد من إيجاد وسائل أخرى لتنفيذه ، وليس ضرورياً أن تكون هذه الوسائل عربية ، بل إنه من الضروري لنجاحها أن لا تكون عربية».

ومضى الحوار يتدفق , وقال ناصر لبوتو: أنه (أي بوتو) لازال شاباً ومستقبله لازال أمامه. 

وهنا رد بوتو على ناصر بتعبير له معنى ودلالة فقد قال:

«ولكنهم لن يتركوني ، ولا أعتقد أن هدفهم إخراجي من الوزارة فقط ، وإنما هدفهم هو تصفيتي تماماً فتلك هي سياستهم مع أي شخص لا يطيعهم في 101% من طلباتهم».

ثم عاد بوتو لمواصلة حديثه فقال لناصر: «إن مشكلتي الشخصية مؤجلة ، ولكن ما يقلقني هو موقفكم أنتم».

واستوضحه جمال عبد الناصر متسائلاً: (تقصد موقف مصر)؟

ورد بوتو على الفور: «بل أقصدك أنت شخصياً ، وما يحيرني هو كيف يمكن أن يتصرفوا معك؟ لقد استطاعوا أن ينالوا من سوكارنو(رئيس إندونيسيا) لأن سوكارنو كشف نفسه أمامهم بتصرفاته الشخصية».

ثم توجه بوتو إلى عبد الناصر بسؤال: هل تذكر يوم مررنا بالقاهرة قبل الموعد المقرر لمؤتمر القمة الأسيوي الإفريقي ، وجئت أنت لاستقباله ، وكنا واقفين على باب فندق هيلتون ، وكانت معه فتاة أمريكية جميلة قدمها لك بوصفها صحفية أمريكية ؟ ، وتذكر عبد الناصر الواقعة.

وواصل بوتو كلامه قائلاً : لم تكن صحفية ، فعندما ذهبت إلى إندونيسيا بعدها وجدتها هناك. وكنت واثقاً أنها عميلة لوكالة المخابرات المركزية (C I A ) دسوها عليه. كانوا يعرفون أن الجمال هو ضعفه الشديد ، وأنا واثق أيضاً أنهم هم الذين دسوا عليه زوجته اليابانية التي استطاعت أن تستولي عليه بالكامل.

لقد كنت وأنا وزير خارجية أتلقى تقارير من سفيرنا في جاكرتا تقول إن زوجته (راتونا سارى ديو) تسهر كل ليلة في السفارة الأمريكية بحجة لعب البريدج مع السفير وأصدقائه ، وحين ذهب الرئيس أيوب خان (رئيس باكستان وقتها) جاءت هي لمقابلته وطلبت منه أن «ينصح سوكارنو بالتعاون مع الأمريكيين ، إلا فإنهم قادرون على الإضرار به».

وكانت رسالة بوتو تحذيراً ثانياً قوياً للقيادة المصرية عما هو آتٍ.

 (3)

« ما يشغل بالى أن عدداً يتزايد من مستشاري جونسون ينصحوه الآن بإطلاق حرية العمل لإسرائيل» يوجين بلاك لجمال عبد الناصر

كان التحذير الثالث جاء على لسان يوجين بلاك (رئيس البنك الدولي الأسبق) في لقائه بالرئيس جمال عبد الناصر في 1 ديسمبر 1966.

وقال بلاك في لقاءه بعبد الناصر:

«إنه كان في واشنطن حينما جاءت أنباء الهجوم (يقصد اعتداء إسرائيل على قرية السموع بالأردن في ذلك الوقت) وتصادف وجوده في البيت الأبيض حيث ذهب لمقابلة أحد أعضاء مجلس الأمن القومي ، وهناك سمع كلاماً كثيراً عن الأوضاع في الشرق الأوسط ».

وأضاف بلاك:

«إنه يعرف أن الرئيس جونسون ناقم على السياسة المصرية وهو (أي بلاك) ينصح الرئيس عبد الناصر كصديق أن يحاول تهدئة الموقف بقدر ما يستطيع لأن جونسون بطبيعته رجل ذو مزاج متقلب ، وهو يشعر بـ مأزقه في حرب فيتنام ، وقد يحاول أن يجد لنفسه منافذ أخرى ينفذ بها عن شعوره بالإحباط».

ورد عليه جمال عبد الناصر: «إنه بذل كل جهده للتهدئة ، ولكن كُل محاولاته لم تنجح».

وسكت عبد الناصر قليلاً ثم قال: « إنك تعرف أكثر من غيرك أننا لسنا على استعداد لأن نبيع استقلالنا مقابل أي شيء».

ثم استطرد جمال عبد الناصر: «إنني قلت لسفيره (يقصد سفير أمريكا في مصر) إننا لم نعد نريد منهم قمحاً. لقد حاول (يقصد جونسون) أن يتخذ من القمح أداة للضغط علينا ، وقد تركنا له سلاحه وأبلغناه أننا لم نعد نريد قمحه». 

    

وبدت تعبيرات تردد على قسمات (يوجين بلاك) ثم بدا وكأنه غالب تردده وقال: «إن موضوع القمح ليس هو ما يشغل بالى ، ما يشغل بالى أن عدداً يتزايد من مستشاريه ينصحوه الآن بإطلاق حرية العمل لإسرائيل ، وكان التعبير الذى استعمله يوجين بلاك هو (To unleash Israel ) ».

وعلق جمال عبد الناصر على عبارة بلاك بقوله: « بأن إسرائيل فعلاً قد انطلقت للعمل سواء كان ذلك بتصريح جونسون أو بغير تصريحه».

وانتهت المقابلة لكن التعبير الإنجليزي الذي استعمله يوجين بلاك ظل عالقاً في فكر جمال عبد الناصر ، وفور خروج بلاك طلب قاموساً إنجليزياً عربياً لكى يجد بنفسه معنى التعبير بدقة ، ووجد أنه يعنى:« إطلاق صراح كلاب الصيد لكى تطارد الفريسة».

وكان ذلك تحذيرا ثالثا قوياً في دلالاته على لسان رئيس البنك الدولي الأسبق. ولكنه ذهب كما سابقيه.  

(4)

«هناك مؤامرة لجر مصر لحرب غير جاهزة لها مع إسرائيل» الملك حسين للفريق عبد المنعم رياض     

     

أما التحذير الرابع فقد جاء جلياً وواضحاً ومباشراً و صريحاً على لسان عاهل الأردن الملك (حسين بن طلال) في الرسالة التي أرسلها الملك في لقائه بالفريق (عبد المنعم رياض) بتاريخ 28 أبريل 1967 للرئيس عبد الناصر، وكان ملخصها: «أن هناك مؤامرة لجر مصر لحرب غير جاهزة لها مع إسرائيل».(سأقوم بالحديث عن تفاصيل اللقاء في جزء خاص بالملوك العرب).

ولكن حتى هذا التحذير الصريح القوى في دلالاته ومعانيه قد ذهب أدراج الرياح ولم تستفد منه القيادة المصرية.

ورغم كل ذلك فإن كل تلك الإشارات والتحذيرات عن «اتجاه جونسون لترك إسرائيل تعمل بحرية في المنطقة» (كما قال اللورد هارليك مبكراً للسفير محمد القوني) ، أو عن أن «الولايات المتحدة وإسرائيل خارجون لاصطياد عبد الناصر» (كما حذر ذوالفقار على بوتو) أو عن أن «الأمريكان على وشك أن يتركوا حرية العمل لإسرائيل» (كما حذر يوجين بلاك) أو كما وضعها ظاهرة كاشفة ملك الأردن (حسين بن طلال) على بلاطة أمام الفريق عبد المنعم رياض من وجود «فخ ينصب للقاهرة لجرها لحرب غير مستعدة لها مع إسرائيل».

كل ذلك لم يغير من نظرة صانع القرار المصري للأحداث ولا من طريقة  تفكيره لكى يعيد النظر فيما يحدث حوله وهو يُستدرج على سُلم التصعيد خطوة بعد خطوة ودرجة بعد درجة حتى يصل للنهاية المحتومة نحو الهاوية.

ولعل ذلك عائد في اعتقادي بعد قراءة الوثائق الأمريكية والإسرائيلية لسببين:

الأول حداثة صانع القرار المصري في علم (إدارة الصراع) ، كما لغياب مؤسسة الأمن القومي بمعناها العلمي ، وذلك عائد لغياب البعد الديمقراطي في صنع واتخاذ القرار ، وذلك ليس وليد اليوم أو الأمس بل إنه عادة فرعونية قديمة تغلغلت وتأصلت فيما يبدو في الجين المصري!.

والثاني – أن الطُعم الذي رمته إسرائيل (بذكاء) في بحيرة طبرية (تهديد سوريا) وضع صانع القرار المصري أمام خيارين أحلاهما مُر كالعلقم.

  • ·       فإما أن تبتلع القاهرة الطُعم (كما حدث) وتعلق في شبكة الصياد (الإسرائيلي) فيسيل دمها لدرجة تصل لأن تزهق روحها كما حدث في ٥ يونيو ٦٧.
  • ·       وإما تبتعد القاهرة عن الطُعم وتهرب منه فيظهر عجزها و يُكشف خوفها وتسقط حججها و ادعاءاتها في قدرتها على حماية الأمة العربية ومن ثم تضيع هيبتها وتسقط زعامتها في محيطها العربي.

ولا زالت فصول القصة مستمرة حتى لو تغيرت الأشكال وتبدلت الأسماء ، ما دام (المؤلف واحد) من يونيو وما قبله حتى نهاية شهور العام!

في الجزء القادم : الانقلاب العسكري الأول في إسرائيل؟!

المراجع:

سنوات الغليان – محمد حسنين هيكل.

الانفجار 67 – محمد حسنين هيكل.

مجدي منصور, محامي مصري وكاتب سياسي

مجدي منصور كاتب سياسي مصري له العديد من المقالات والدراسات المنشورة بكبرى المواقع ك (ساسة بوست - نون بوست - هاف بوست- عربي بوست - روافد بوست).

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى