الاحدثدولي

سيناريو حافة الهاوية الأمريكية في المفاوضات مقابل قطع السلامي الإيرانية: نهاية وهم الاستقرار وبداية المصير المظلم للسيادة الإمبراطورية | بقلم حيدر المنصوري

في الفلسفة الواقعية السياسية Realpolitik في إدارة الحروب وتسويتها ودراساتها لطبيعة الصراع والمفاوضات، يمكن تفكيك آليات المفاوضات إلى نقاط أساسية توضح العلاقة العضوية بين ميدان المعركة وطاولة المفاوضات حيث يسعى كل طرف إلى تعظيم المكاسب وتقليل الخسائر.

يبدأ كل طرف بتقديم أفضل سيناريو يطمح له(Best Case Scenario) وهو الحد الأقصى للأهداف، وغالباً ما يكون غير واقعي تماماً، لكنه يهدف إلى رفع سقف التفاوض. في المقابل، يضع أسوأ سيناريو نصب عينيه (Worst Case Scenario) ليكون خط الدفاع الأخير أو الخط الأحمر الذي لا يمكن تجاوزه، وغالباً ما يكون هذا الحد هو سقف طموحات الطرف الآخر.
لقد فشلت سياسة الردع الاستراتيجية والمدفع الأخير -كخيار أول- التي استخدمتها الولايات المتحدة بدفع من إسرائيل في هذه الحرب والتي تعني أن الدولة لا تلجأ إلى التهديدات المتدرجة، بل تعتمد على مبدأ الرد الساحق والفوري بمجرد تجاوز الخطوط الحمراء.

قطع السلامي (Salami Tactic / Salami Slicing)
وها هي الولايات المتحدة تضطر مرغمة للقبول بالتفاوض وفق سياسة قطع السلامي (Salami Tactic / Salami Slicing) التي فرضتها ايران عليها مرغمة. هذه الاستراتيجية (تقطيع السلامي) هي أسلوب جيوسياسي وتفاوضي يعتمد على تقسيم الهدف الكبير إلى خطوات صغيرة جداً.

كل شريحة سلامي يأخذها المهاجم تبدو صغيرة جداً ولا تستحق إشعال حرب شاملة. وإذا انتظر المدافع للرد حتى تتراكم الشرائح، سيكتشف لاحقاً أنه خسر موقعه الاستراتيجي بالكامل.

يقوم الطرف المفاوض باتخاذ إجراء بسيط يبدو غير مهم أو صغير جداً بحيث لا يبرر اندلاع حرب. وحين ينجح في ترسيخ هذا المكسب، ينتظر قليلاً ثم يأخذ شريحة أخرى، وهكذا حتى يتحقق الهدف النهائي.

تسمح هذه الطريقة بتحقيق مكاسب استراتيجية كبرى دون إثارة رد فعل عنيف أو استفزاز شامل. وهي تتطلب وقتاً طويلاً، وهذا ما تعول عليه ايران فهي تملك نفسا طويلا في المفاوضات لا يملكه خصمها. ولكن خطورة هذه الطريقة مع المفاوض المتهور هي أنها إذا تم كشفها مبكراً قد تواجه تحالفاً مضاداً مدمراً وردة فعل عنيفة.

حافة الهاوية (Brinkmanship)
إستراتيجية (The Salami Slicing) في التفاوض تتقاطع تماماً مع مفاهيم التفاوض وفق حافة الهاوية (Brinkmanship) التي تعتمد كليا على اليقين بمصداقية التهور (Credibility of Irrationality) أي بمعنى يجب أن يقتنع أحد الأطراف أن الطرف الآخر قد أطلق بالفعل تكتيكاً عسكرياً تقليدياً لا يمكن إيقافه أو التراجع عنه يدوياً بسهولة.
وهذا ما كان ترامب يحاول إثباته من خلال تهديداته، ولكنها بدت واهية بسبب تراجعه المتكرر عنها، حتى سمي TACO Trump Always Chikens Out وهذا ما أفقد التفاوض وفق حافة الهاوية اليقين بمصداقية التهور ولذلك أجبر على الركون مرغما للتفاوض وفق قطع السلامي التي فرضتها ايران.

إيران ترد على حافة الهاوية الأمريكية بـ حافة هاوية مضادة. اللعبة الآن لم تعد قضم شرائح، بل أصبحت مواجهة كسر إرادات مباشرة؛ حيث تحاول طهران استخدام خنق الاقتصاد العالمي عبر مضيق هرمز والصمود العسكري كورقة ضغط قاهرة لفرض وقف إطلاق نار دائم بشروطها، بينما تحاول واشنطن كسر هذه الإرادة عبر إدامة الحصار والضغط الأقصى.

فضاء التلاقي الدبلوماسي:
أما فضاء التلاقي ومنطقة التسوية في المفاوضات الحقيقية فلا تبدأ عند طرح أفضل السيناريوهات، بل تبدأ عندما يدرك الطرفان أن الاستمرار في الحرب لتحقيق الحد الأقصى أمر مكلف جداً، فالاستنزاف يُحدث التلاقي في منطقة وسطى، وهي البديل الأفضل للمفاوضات (BATNA) وتعني، Best Alternative To a Negotiated Agreement حيث يضطر كل طرف للتنازل عن جزء من أهدافه لتجنب السيناريو الأسوأ.

وهنا تكون الحرب هي الأداة لتحديد قيمة المفاوضات. وهذا هو الجوهر، فالميدان يفرض كلمته على الطاولة. الحرب تعمل كآلية لتغيير ميزان القوى. فمن يسيطر على الأرض، أو يلحق أضراراً أكبر بالعدو، هو من يحدد السيناريو الأسوأ للطرف الآخر، وبالتالي يفرض شروطه في المفاوضات.

هذا هو التفاوض، في جوهره، هو تقنين لنتائج الحرب أو التهديد بها. وهو أن الحرب هي استمرار للسياسة بوسائل أخرى حسب كلاوزفيتز Clausewitz، وأن المفاوضات هي استمرار للحرب بوسائل دبلوماسية، حيث تُترجم المكاسب العسكرية إلى مكاسب سياسية.

الحرب والسياسة حسب كلاوزفيتز Clausewitz
فالحرب والسياسة حسب كلاوزفيتز Clausewitz المولود سنة 1780 متشابكان، الحرب في حد ذاتها لا تعلق العلاقات السياسية ولا تصيّرها إلى شيء مختلف تماما. العلاقات السياسية تستمر بغض النظر عن الوسائل التي نستخدمها.

كلاوزفيتز يعتقد بأن الحرب هي جزء من سلسلة متصلة تشمل التجارة والدبلوماسية وكل التفاعلات الأخرى التي تقع بين الشعوب والحكومات. لتحقيق غاية ومنافع الحكومات والدول من الحرب والسياسة.

النصر وفق كلاوزفيتز مسألة إيجاد وتحييد مركز ثقل الخصم، وقد يعني ذلك غالبا هزيمة الجيش المنافس، لكن تلك الطريقة ليست الأكثر فعالية دوما؛ حيث يرى بأن العناصر الأخلاقية هي من أكثر العناصر أهمية في الحرب. فهي تُشكّل الروح التي تتخلل الحرب ككل، وتؤمّن ارتباطا وثيقا بالإرادة التي تُحرِّك وتقود كتلة تامّة من القوة.

لقد أبان كلاوزفيتز عن كيفية تشكيل أو تحطيم روح منافسك، وكيفية النصر في حرب بتجنُّب جيش العدو بالكامل.

مأزق فضاء التلاقي
وهذا مأزق فضاء التلاقي رغم الوساطة الباكستانية المستمرة ووجود مقترحات متبادلة (مثل خطة الـ 14 نقطة الإيرانية)، إلا أن الفجوة لا تزال واسعة. الرئيس ترامب يصرح دائماً بأنه غير راضٍ عن المقترحات الإيرانية، معتبراً أن طهران لم تدفع بعد ثمناً كافياً لتغيير موقفها. وطهران تقول إن ترامب يريد إستسلام إيران وهذا لن يحدث.

الحسم العسكري لحسم النقاط العالقة في التفاوض
وهنا يدخل الحسم العسكري كبديل للتفاوض حيث نعيش حالياً حالة من الهدنة الهشة التي تتخللها انتهاكات، حيث يبدو أن كلا الطرفين يختبر قدرة الآخر على التحمل.

القناعة السائدة لدى بعض المحللين والجنرالات هي أن المفاوضات لن تنتج حلاً، إلا إذا أحدثت الحرب واقعاً ميدانياً لا يمكن لأحد الطرفين تجاهله، مما يضطره لقبول ما كان يرفضه سابقاً كـ سيناريو أسوأ. لإحداث ما هو أسوء منه.

نحن أمام مفاوضات بالقوة لا مفاوضات بدلاً من القوة. الحرب الحالية Operation Epic Fury وما قبلها هي المحرك الفعلي الذي سيحدد في النهاية أين سيتم رسم الخط الفاصل بين مكاسب واشنطن وخسائر طهران، أو العكس.

الصواريخ والمسيرات هي المسودات الحقيقية:
وهنا يتحول الصراع الإيراني الأمريكي حالياً (مايو 2026) إلى نموذج صارخ للتفاوض تحت النار، حيث أصبحت الصواريخ والمسيرات هي المسودات الحقيقية التي تُكتب بها الشروط على الأرض قبل وصولها إلى طاولة المفاوضات.

هذا الواقع يتجلى في المشهد الراهن، الميدان هو المفاوض الأول، بعد جولات من الضربات العسكرية المباشرة التي بدأت في فبراير 2026، انتقل الصراع إلى مرحلة الاستعصاء النشط. كل تحرك عسكري—سواء كان استهدافاً لمنشآت أو تضييقاً في مضيق هرمز—هو رسالة سياسية تهدف لإجبار الطرف الآخر على خفض سقف سيناريوهاته الأفضل.

وهنا تتصادم السيناريوهات الأسوأ. فواشنطن تضع تفكيك البرنامج النووي بالكامل وصفر تخصيب كشرط أساسي، وهو ما تراه طهران السيناريو الأسوأ الذي يعني تجريدها من أهم أوراق قوتها.

بينما طهران تصر على رفع كامل للحصار البحري والاعتراف بسيادتها على الممر الملاحي قبل نقاش الملف النووي، وهو ما تعتبره واشنطن سيناريو أسوأ يهدد أمن الطاقة العالمي وهيبتها الدولية.

كل القراءات السياسية والميدانية المتخصصة الراهنة (مايو 2026) تتفق أن الحرب الأخيرة عملية الغضب الملحمي وما تبعها من ضربات مشتركة، تجاوزت الأهداف العسكرية التقليدية لتستهدف مباشرةً القدرة الخدمية للدولة الإيرانية، حيث تم استخدام استراتيجية الشلل الخدمي، حين تعمد القصف الأمريكي الإسرائيلي استهداف مفاصل حيوية تهدف إلى جعل الدولة عاجزة عن تلبية احتياجات مواطنيها الأساسية، وشمل ذلك: قطاع الطاقة والكهرباء.

تم استهداف محطات التوليد وشبكات نقل الطاقة، مما أدى لانقطاعات واسعة أثرت على المستشفيات والمنشآت الخدمية. واستهداف سلاسل الإمداد والجسور، من تدمير جسور استراتيجية مثل جسر تبريز-زنجان لشل حركة النقل الداخلي وتوزيع المواد الغذائية. جميع المواقع البتروكيماويات والوقود تم ضرب مجمعات ضخمة (مثل عسلوية وماهشهر) التي توفر الوقود المحلي وتعد مصدر الدخل الرئيسي، مما هدد بتوقف قطاعات كاملة عن العمل.

المراهنة على العامل الداخلي لدى الطرفين:
وهنا يبرز مراهنة الطرفين على العامل الداخلي، فواشنطن وتل أبيب يراهنان على أن عجز الدولة عن تقديم الخدمات سيؤدي إلى انفجار داخلي يكمل ما بدأته الصواريخ. وقد رُصدت بالفعل احتجاجات واسعة في أوائل 2026 نتيجة تدهور البنية التحتية وضعف الاقتصاد. بينما طهران، تدرك أن بقاءها مرهون بقدرتها على احتواء الشارع، ولذلك انتقلت من المطالبة بـتخفيف العقوبات إلى اشتراط الرفع الكامل والشامل كبند أول في خطة الـ 14 نقطة الإيرانية التي قُدمت عبر الوسيط الباكستاني في مايو 2026.

هنا تكمن المعضلة، في الصدامات بين السيناريوهات الأسوأ. فالسيناريو الأسوأ لإيران هو استمرار العقوبات مع بنية تحتية محطمة، مما يعني انهيار الدولة من الداخل.

السيناريو الأسوأ لأمريكا (إدارة ترامب) هو رفع العقوبات بالكامل دون تغيير جوهري في سلوك النظام أو تفكيك برنامجه النووي، مما يعني خروج إيران من الحرب أقوى سياسياً رغم دمارها المادي.

الحرب الحالية لم تعد تهدف لتحقيق نصر عسكري خاطف، بل هي عملية عصر للاقتصاد والخدمات لإجبار الطرف الآخر على قبول ما كان يراه مستحيلاً.

فإما أن تقبل إيران بتنازلات نووية قاسية لإنقاذ ما تبقى من هيكل الدولة، أو تستمر واشنطن في القصف والحصار والضغط حتى الوصول للحافة التي تخشاها وهي الانهيار الفوضوي الذي قد يشعل المنطقة بالكامل.

قدرة واشنطن على تحمل تكاليف الحرب
على الجانب الآخر، قدرة واشنطن على تحمل تكاليف الحرب والحصار (حسب معطيات مايو 2026) هي موضوع نقاش حاد، خاصة مع قدرة إيران المثبتة على استغلال الثغرات في الطوق البحري.
التحدي بالنسبة لواشنطن ليس مالياً فحسب، بل هو استراتيجي ولوجستي أيضاً، فتكلفة استمرار الحرب بالنسبة لواشنطن -رغم امتلاك الولايات المتحدة موارد اقتصادية ضخمة- إلا أن الحرب تخلق إستنفاذات كبيرة من التكاليف العسكرية المباشرة.

أعلن البنتاغون رسمياً عن إنفاق 25 مليار دولار على عملية الغضب الملحمي (Operation Epic Fury)، مخصصة بشكل أساسي للذخائر وصيانة المعدات. ومع ذلك، تشير تقييمات داخلية ومحللون مستقلون إلى أن التكلفة الحقيقية تقترب من 50 مليار دولار عند احتساب تدمير القواعد والرادارات والطائرات المسيرة عالية القيمة مثل MQ-9 Reaper. ولازال الاستنزاف جارياً.

ولابد من أخذ استنزاف المخزون بعين الاعتبار، فهناك قلق متزايد بشأن الاستهلاك السريع للأسلحة المتطورة. انخفضت مخزونات صواريخ توماهوك إلى 50%، كما تضاءلت القدرة على اعتراض الصواريخ الباليستية بشكل كبير.
استبدال هذه المخزونات قد يستغرق سنوات، مما قد يترك الولايات المتحدة مكشوفة في مناطق أخرى مثل المحيطين الهندي والهادئ.

وهذا ما تعول عليه طهران فالارتداد الاقتصادي، حيث أدت الحرب إلى رفع أسعار البنزين في الولايات المتحدة إلى أكثر من 4 دولارات للجالون، ودفعت التضخم إلى أعلى مستوى له منذ عامين. هذا الألم الاقتصادي الداخلي يخلق ضغوطاً سياسية مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي لعام 2026.

وكذلك تعول طهران على تجاوزها للحصار. فرغم إعلان الولايات المتحدة حصاراً رسمياً، تستخدم إيران خبرتها المتراكمة عبر الأجيال في التهرب من العقوبات للحفاظ على شريان حياة اقتصادي.

تستعمل أسطول الظل تارة، حيث تشير تقارير الاستخبارات البحرية إلى أن ما لا يقل عن 26 سفينة مرتبطة بأسطول الظل الإيراني نجحت في تجاوز الحصار. تستخدم هذه السفن المتهالكة وغير الخاضعة لرقابة مشددة ملكية غامضة وتعطيل بيانات التتبع لنقل النفط والغاز.

توجهت إيران أيضا نحو البدائل البرية لإيجاد الممرات الجديدة، لتقليل الاعتماد على مضيق هرمز المعرض للخطر. يشمل ذلك ممر جوادر عبر باكستان وخطوط السكك الحديدية إلى الصين عبر دول آسيا الوسطى، مما يسمح باستمرار 40% على الأقل من تجارتها رغم الحصار البحري.

كما تعتمد لتعميق الشراكات الاستراتيجية بموجب معاهدتها لعام 2025 مع روسيا والعلاقات الاقتصادية مع الصين، تتلقى إيران دعماً في الحرب الإلكترونية وقنوات مصرفية بديلة تجعل العزل الكامل مستحيلاً تقريباً. القاعدة الذهبية لتقليل هيمنة الإمبراطورية البحرية وإضعافها هو زيادة الإعتماد على الربط البري بين الدول والشعوب.

سيناريو الجمود
وهذا يقودنا لسيناريو الجمود، حيث يتطور الوضع الحالي إلى ما يشبه لعبة حافة الهاوية. فرهان واشنطن أن الحصار سيؤدي في النهاية إلى انهيار اقتصادي يجبر إيران على قبول اتفاق صفر تخصيب.

بينما تؤمن إيران بأن لديها قدرة تحمل أكبر، وأنها تستطيع الصمود أمام الحصار عبر حدودها البرية المليئة بالثغرات، مستغلة التداعيات الاقتصادية العالمية لارتفاع أسعار النفط لإجبار الولايات المتحدة على الانسحاب.

إذ بينما تستطيع الولايات المتحدة من الناحية الفنية تحمل فاتورة الحرب، فإن الاستنزاف الاستراتيجي لمخازن الصواريخ والتكلفة السياسية المحلية للتضخم، والتآكل التدريجي للإعتماد على الدولارعلى المدى الطويل، هما الحدود الحقيقية للمدة التي يمكنها فيها الحفاظ على هذا المستوى من الضغط.

المطابخ السياسية في الهواء الطلق:
وهنا دخلت الحرب الحالية (مايو 2026) في مرحلة حرجة، حيث لم يعد الصراع يُدار في غرف العمليات العسكرية فحسب، بل في الشوارع والمطابخ السياسية الداخلية لتحديد مدى هشاشة وقوة الجبهة الداخلية في كلا البلدين.

فإيران تعول لتجاوز رهان الانهيار من الداخل على استراتيجية الالتفاف حول العلم. بينما تحاول واشنطن وتل أبيب تحويل الضغط العسكري إلى غضب شعبي عارم، لكن الصورة في الداخل الإيراني معقدة.

فاستهداف محطات الطاقة والمياه وضع الحكومة الإيرانية في مأزق حقيقي. الاحتجاجات التي اندلعت في مدن مثل أصفهان وتبريز بسبب انقطاع الخدمات هي التحدي الأكبر، فالنظام الإيراني يعلم أن شرعية الخدمة هي آخر ما يربطه بالقواعد الشعبية غير المؤدلجة وهذا ما تستخدمه أمريكا والكيان سلاح الخدمات.

في المقابل، تستخدم القيادة الإيرانية الضربات الجوية الأمريكية كأداة لشحن القومية الإيرانية، مصورة الحرب كعدوان خارجي يستهدف وجود إيران وليس النظام فقط واستثمار كامل لسياسة المظلومية والتنمر والتغطرس الأمريكي مستفيدة من التهديدات الوجودية ومحو الحضارة التي يطلقها الرئيس الأمريكي بين فترة وأخرى.

هذا الخطاب ينجح في تحييد جزء من المعارضة التي ترفض رؤية بلادها تُدمر كالعراق أو سوريا. في ظل ضغط داخلي من الحرس الثوري لعدم تقديم أي تنازلات، مقابل أصوات (خافتة حالياً) داخل السلك الدبلوماسي تحذر من أن الاستمرار في الحرب دون رفع كامل للعقوبات سيؤدي إلى تفكك الدولة.

واشنطن تجنب صداع التضخم وشبح الانتخابات:
على الجانب الآخر تحاول واشنطن تجنب صداع التضخم وشبح انتخابات 2026. بالنسبة لإدارة ترامب، العامل الداخلي هو ساعة توقيت تضغط على قراراته العسكرية، ففاتورة الجالون في ارتفاع أسعار الوقود وتجاوزها حاجز الـ 4 دولارات هو العدو الأول للإدارة.

الناخب الأمريكي، تاريخياً، لا يهتم بالحروب الخارجية بقدر اهتمامه بقدرته الشرائية. إذا لم تحقق الحرب نتائج سريعة (مثل استسلام إيراني أو تأمين الملاحة)، سيتحول الشارع الأمريكي ضد الحرب.

الجمهوريون يضغطون للحسم العسكري السريع لتجنب حرب استنزاف، بينما الديمقراطيون يستغلون استنزاف مخزون الذخيرة (مثل صواريخ توماهوك التي وصلت لـ 50%) لاتهام الإدارة بتهديد الأمن القومي الشامل من أجل معركة إقليمية.
وهنا يبرز عامل الوقت، كلما طال أمد الحرب دون نصر واضح، يتآكل الدعم الشعبي لترامب، مما قد يدفعه إما للتصعيد الخطير لإنهاء الحرب بالقوة، أو للبحث عن مخرج دبلوماسي يحفظ وجهه قبل انتخابات التجديد النصفي.

من يصرخ أخيرا يبكي كثيراً.
المعادلة الآن هي: هل ينهار الشارع الإيراني بسبب غياب الخدمات قبل أن ينقلب الشارع الأمريكي بسبب التضخم؟ إيران تراهن على أن الشعب الإيراني متمرس على المعاناة والصبر الاستراتيجي. بينما واشنطن تراهن على أن التقنية العسكرية ستجعل تكلفة المعيشة في إيران لا تُطاق إلى حد الانفجار قبل أن يتأثر اقتصادها بشكل مدمر.

وهذا هو لب الصراع والسبب الذي يجعل هذه الحرب وجودية للطرفين بعد أن كانت تهديد وجودي لإيران فقط، وليست مجرد مواجهة عسكرية عابرة.

المصير المظلم لواشنطن وارتباط الدولار والإمبراطورية:
إنه لمن السخرية التاريخية العميقة أن نرى الولايات المتحدة، التي أسست هيمنتها العالمية عبر العقود من خلال دبلوماسية البوارج والضغط الاقتصادي ونظام بريتون وودز، تجد نفسها اليوم في مواجهة قوى إقليمية مثل إيران تستخدم ضدها ذات الأساليب التي طالما برعت فيها واشنطن.

لعقود طويلة، كان الأسطول الأمريكي يضمن حرية الملاحة بشكل ظاهري مادامت تمر بعملة الإمبراطورية، كأداة لفرض الإرادة التجارية. ولكن في الأزمة الحالية، حوّلت إيران مضيق هرمز فعلياً إلى بوابة تحصيل رسوم خاصة. بفرض رسوم عبور هائلة، تستخدم طهران نفس منطق الدفع مقابل المرور الذي استخدمته الإمبراطوريات عبر العصور.

تعرف واشنطن هذا جيدا فهي من أوجدته، ولهذا سمته ابتزاز؛ أما بالنسبة لطهران، فهو تعويض سيادي عن سنوات العقوبات الأمريكية الخانقة.

واشنطن تستخدم الدولار كـ سلاح نووي اقتصادي فهي لا تحارب طهران بالصواريخ فقط، بل تحاربها عبر نظام السويفت وهيمنة الدولار. إذا نجحت إيران (مدعومة من الصين وروسيا) في تجاوز الحصار والبقاء كدولة فاعلة اقتصادياً خارج منظومة الدولار، فإن ذلك سيعني كسر هيبة العقوبات، حيث ستدرك دول أخرى أن سلاح العقوبات الأمريكي يمكن تحييده، مما يشجع على التمرد الجيوسياسي. وتسريع إلغاء الدولرة (De-dollarization).

كانت أداة أمريكا الأساسية لـ الابتزاز الناعم هي الدولار. فمن خلال قطع الدول عن نظام سويفت (SWIFT)، كانت واشنطن تسقط اقتصادات كاملة دون إطلاق رصاصة واحدة. لكن في عام 2026، نشهد صعود التجارة المحصنة ضد العقوبات؛ فمطالبة إيران بالرسوم عبر العملات الرقمية أو اليوان الصيني تتجاوز النظام المصرفي الأمريكي تماماً، مما يجرد واشنطن من أقوى أسلحتها الانتقامية.

فشل الحصار سيعطي دفعة قوية للعملات البديلة والأنظمة المالية التي تقودها مجموعة بريكس، وهو ما يهدد بانهيار الطلب العالمي على الدولار. مما يسبب فقدان الثقة وانهيار الإمبراطورية.

فالإمبراطوريات لا تسقط عادةً بسبب هزيمة عسكرية واحدة، بل بسبب فقدان المصداقية (Credibility).

إذا لم تستطع الولايات المتحدة، بكل ثقلها العسكري والتكنولوجي، إخضاع دولة متوسطة القوة مثل إيران، فإن حلفاءها في الخليج وأوروبا وشرق آسيا سيبدؤون بالبحث عن مظلات أمنية بديلة.

خسارة واشنطن في هذا الصراع تعني أن المظلة الأمريكية لم تعد تحمي، وأن التهديد الأمريكي لم يعد يخيف. هذا هو التعريف الكلاسيكي لبداية نهاية العصر الإمبراطوري. المصير المظلم المشترك هي أن الطرفين يتسابقان نحو الحافة.

واشنطن تدرك أن التراجع يعني بداية النهاية لهيمنتها العالمية، لذا فهي مستعدة للمخاطرة باستقرار الاقتصاد العالمي (التضخم وأسعار الطاقة) لتحقيق النصر.

إيران تمثل حالياً خط الدفاع الأول ضد نظام القطب الواحد، وأن سقوطها أو إضعافها قد يفتح الباب لفرض إرادات مماثلة على دول أخرى.
تعاطف الشعوب المقهورة مع ايران يوجد ارتباط نفسياً لنصرة المظلوم والتخلص من الظالم فهم يرون انفسهم فيها، وهذا سيقود في النهاية لتآكل ونهاية الإمبراطورية المهيمنة والتمرد عليها.

لقد فقدت الإمبراطورية هيمنتها الأخلاقية في تبرير أفعالها حتى علي حلفائها. ولجوئها لوسائل غير تقليدية كالتهديد بمحو الحضارة التي هي إرث مشترك للبشرية دليل ضعفها وعدم قدرتها على حسم المعركة بالطرق التقليدية.

طهران تدرك أن قبول الشروط الأمريكية يعني تفكيك الدولة وتحويلها إلى مجرد تابع، لذا فهي مستعدة لتحمل دمار البنية التحتية مقابل البقاء ككيان مستقل. فالمعركة على أسوار طهران هي في الحقيقة معركة على عرش الدولار في نيويورك.

إذا انكسر الحصار الإيراني، فإن الآلة التي تدير العالم منذ الحرب العالمية الثانية ستصاب بعطل قد لا يمكن إصلاحه.

للاطلاع على الجزء الأول :

كيف تستخدم الولايات المتحدة سياسة الرأسمالية النفعية Utilitarian Capitalism والشراسة الجيوسياسية للحد من تراجع هيمنتها المطلقة

حيدر المنصوري، خبير في الاتصالات والتكنولوجيا

حيدر المنصوري خبير في الاتصالات والتكنولوجيا، شغل منصبًا إداريًا في إحدى كبرى شركات الاتصالات في العراق، ويمتلك خبرة في إدارة العمليات وتطوير البنية الرقمية. يعمل حاليًا مستشارًا في القطاع، مقدمًا رؤى استراتيجية حول التحول الرقمي والأسواق. كما يهتم بالجغرافيا الجيو-استراتيجية وتأثيرها على القرارات السياسية، وله مقالات وبحوث في هذا المجال.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى